ماذا لو خسرت أمريكا حرب الاستقلال؟ 250 عامًا من التاريخ البديل
بعد مرور 250 عاماً على استقلال الولايات المتحدة، لا يزال أحد أكثر الأسئلة إثارة في التاريخ يفرض نفسه: ماذا لو انتهت حرب الاستقلال
بانتصار بريطانيا؟
ورغم أن الإجابة تظل في إطار التاريخ الافتراضي، يرى عدد من أبرز المؤرخين أن هزيمة المستعمرات الأمريكية كانت ستقود إلى عالم مختلف سياسياً واقتصادياً وجغرافياً، مع بقاء احتمال حصول أمريكا على استقلالها في مرحلة لاحقة أمراً قائماً، لكن في ظروف مختلفة تماماً.
ويجمع مؤرخون، وفقا لمجلة نيوزويك، أن الإمبراطورية البريطانية، التي منحت لاحقاً الاستقلال لكندا وأستراليا والهند وعدد كبير من مستعمراتها، كانت ستواجه في نهاية المطاف الضغوط نفسها في أمريكا الشمالية.
فالتوسع السكاني والاقتصادي للمستعمرات كان سيجعل استمرار إدارتها من لندن أمراً بالغ الصعوبة، ما يعني أن الاستقلال ربما كان سيتحقق، لكن بعد عقود من عام 1776، وهو ما كان سيغير مجرى التاريخ العالمي بأكمله.
خريطة مختلفة لقارة متنازع عليها:
يُرجح الباحثون أن أكثر النتائج وضوحاً كانت ستظهر على خريطة أمريكا الشمالية. فالتوسع الأمريكي السريع نحو الغرب، الذي أعقب الاستقلال وصفقة لويزيانا ثم ضم فلوريدا وتكساس وأوريغون، ربما لم يكن ليحدث بالشكل الذي عرفه التاريخ.
وبدلاً من الولايات المتحدة الحالية، كانت القارة ستشهد وجود مناطق نفوذ بريطانية وفرنسية وإسبانية وربما روسية، مع احتفاظ كل قوة بأراضيها لفترة أطول، وربما توسع بعضها على حساب الآخر.

ويطرح بعض المؤرخين احتمالاً أكثر إثارة يتمثل في توسع النفوذ الروسي على الساحل الغربي لأمريكا الشمالية، بعدما كانت الإمبراطورية الروسية قد بدأت بالفعل استعمار ألاسكا وأقامت مستوطنات في كاليفورنيا خلال القرن الثامن عشر.
في المقابل، يرجح آخرون أن المستعمرات البريطانية، حتى لو بقيت جزءاً من الإمبراطورية، كانت ستواصل التوسع غرباً بفعل النمو السكاني والهجرة الأوروبية، ما يجعل تمددها أمراً يصعب وقفه، وإن كان بوتيرة مختلفة.
من بين أبرز الفوارق التي كان يمكن أن تفرضها هزيمة الثورة الأمريكية مصير السكان الأصليين. فقد تحالفت قبائل رئيسية مع بريطانيا أملاً في وقف تمدد المستعمرين داخل أراضيها، ويرى مؤرخون أن انتصار لندن كان سيمنح تلك القبائل فرصة للحفاظ على نفوذها وسيادتها فترة أطول، خاصة غرب نهر المسيسيبي، بدلاً من موجات التهجير الواسعة التي شهدها القرن التاسع عشر عقب توسع الولايات المتحدة.
العبودية والتصنيع وهوية المجتمع.. تاريخ بديل كان سيغير العالم
لا يقل ملف العبودية تعقيداً عن الجغرافيا السياسية. فبريطانيا ألغت تجارة الرقيق عام 1807، ثم ألغت العبودية قبل الولايات المتحدة بنحو ثلاثة عقود، ما دفع بعض المؤرخين إلى الاعتقاد بأن انتصارها في الحرب كان قد يسرع إنهاء العبودية داخل المستعمرات الأمريكية.
لكن هذا السيناريو لم يكن مضموناً، إذ كانت الولايات الجنوبية تعتمد اقتصادياً على نظام الرق، وربما كانت ستخوض مواجهة مفتوحة مع لندن للحفاظ عليه، ما كان قد يفضي إلى حرب أهلية مختلفة تماماً عن تلك التي عرفها التاريخ الأمريكي لاحقاً.
كما أن استمرار المستعمرات داخل الإمبراطورية البريطانية كان سيؤثر في السياسة البريطانية نفسها، إذ كان من المرجح أن يحصل ممثلو الولايات الجنوبية على نفوذ واسع داخل البرلمان، الأمر الذي ربما كان سيؤخر إصلاحات بريطانية مرتبطة بإلغاء العبودية، ويغير مسار التشريعات داخل الإمبراطورية بأكملها.
اختفاء رمز أمريكي
اقتصادياً، يرى مؤرخون أن استقلال الولايات المتحدة أطلق مساراً سريعاً للتصنيع والابتكار، بينما كانت القوانين البريطانية في ذلك الوقت تفرض قيوداً على إقامة الصناعات داخل المستعمرات. ولو بقيت أمريكا تحت الحكم البريطاني، فمن المرجح أن يتباطأ نموها الصناعي، وأن تتأخر نهضتها الاقتصادية لعقود، بما ينعكس على الاقتصاد العالمي والثورة الصناعية اللاحقة.

ولا تقتصر الاختلافات المحتملة على السياسة والاقتصاد، بل تمتد إلى نمط الحياة الأمريكية نفسه. فالتوسع العمراني الواسع، وانتشار الضواحي، والاعتماد الكبير على السيارات، وظهور المتاجر الضخمة وخدمات الطلب من السيارة، كلها ارتبطت بطبيعة النمو الأمريكي بعد الاستقلال.
أما في حال استمرار الحكم البريطاني، فمن المرجح أن تتطور المدن وفق النموذج الأوروبي الأكثر كثافة واعتماداً على المشي والنقل العام، وهو ما كان سيجعل كثيراً من مظاهر الحياة الأمريكية الحديثة أقل حضوراً أو يتأخر ظهورها.
وفي النهاية، يؤكد المؤرخون أن الإجابة الحاسمة تبقى مستحيلة، لأن تغيير حدث مفصلي واحد كحرب الاستقلال كان سيطلق سلسلة لا تنتهي من المتغيرات السياسية والاقتصادية والعسكرية حول العالم.
لكن ما يكاد يحظى بإجماع بينهم هو أن العالم الذي نعرفه اليوم، من خريطة القوى العظمى إلى الاقتصاد العالمي وحتى تفاصيل الحياة اليومية، كان سيبدو مختلفاً بصورة يصعب تصورها لو لم تنتصر الثورة الأمريكية قبل قرنين ونصف القرن.