في خضم التطور المحموم للتكنولوجيا.. البشر يفقدون حياتهم الحقيقية (تحليل)
يعيش مليارات البشر حول العالم حياة تقودها التكنولوجيا وتضع قواعدها حتى في تفاصيل إنسانية لا يتوجب أن يعتاد فيها الناس على العون التقني.
وحسب تحليل نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية، فإن تأثيرات التكنولوجيا الحديثة، ولا سيما ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي تعزز منطق "وادي السيليكون" الذي يقدّم الراحة والكفاءة كقيمة عليا، لكن بثمن إنساني عميق.
وطيلة عقود، تم ترويج فكرة أن الخروج إلى العالم الحقيقي والتفاعل مع الآخرين أمر خطير وغير مجدٍ وغير فعال، وأن الوقت يجب أن يُحفظ للاستثمار في العمل أو العالم الرقمي. ووادي السيليكون مليء بمن يعتبرون أن ما يهم هو الراحة والكفاءة والإنتاجية والربحية.
خسارة التواجد في العالم الحقيقي
ويلفت المقال إلى أن هذا النموذج يؤدي في النهاية إلى تقليل وجودنا في العالم الحقيقي، وزيادة الوقت الذي نقضيه أمام الشاشات، ما يزيد من العزلة والاغتراب. فقد تغيرت الكثير من تفاصيل الحياة اليومية بفعل التكنولوجيا. مثلا أصبح من الصعب إنجاز بعض الأمور شخصيًا مثل شراء الحاجات البسيطة، وكان في الماضي لهذه اللحظات أثر اجتماعي مهم — التفاعل مع الآخرين، وملاحظة العالم الطبيعي من حولنا، وقد كانت هذه اللحظات جزءًا من معنى الحياة البشرية.
ويشير النص أيضًا إلى أن التكنولوجيا كثيرًا ما تقدم حلولًا لمشكلات غير موجودة أو لمشكلات يكون حلها الأفضل عبر وسائل إنسانية غير تقنية. مثلاً، يتساءل المقال عن شاب يستخدم مساعدًا ذكياً عبر نظارات ذكية ليعلمه كيفية التحدث في أول موعد هام في ٌطار مهني او اجتماعي مثلا، مما يطرح سؤالًا عن ما إذا كانت العلاقة حقيقية أم مجرد سلسلة أوامر من خوارزمية.
وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، يسلّط المقال الضوء على تجارب حساسة للغاية: مستخدمون يعانون من أوهام العظمة أو الخوف المفرط مدفوعين بتشجيع من روبوتات الدردشة، أو أشخاص في مراحل مبكرة من الخرف ينسون أنفسهم في محاولة للوصول إلى لقاء مع روبوت افتراضي لا وجود له جسدياً. هذه القصص تُظهر مساوئ الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي كبديل للعلاقات الإنسانية الحقيقية.
أشياء لا يمكن استبدالها
ويؤكد المقال أن الصديق الحقيقي لا يمكن أن يُستبدل بتطبيق؛ فالأصدقاء الحقيقيون يمكنهم مشاركتنا الحقيقة، يمكنهم الاحتفال معنا أو مواساتنا في الأزمات، ويمكنهم صنع كعكة لنا أو إيصالنا إلى البيت—أشياء لا يستطيع أي برنامج أو روبوت تقديمها. والأهم من ذلك أن العلاقات الإنسانية تُشكل شبكة دعم اجتماعي حقيقية لا يمكن للتكنولوجيا أن تعوضها.
ويرفض الكاتب فكرة أن الحل للتكنولوجيا هو المزيد من التكنولوجيا. فالحل، وفقا له، يكمن في الاهتمام ببعضنا البعض وإعادة بناء الأماكن والطرق التي نلتقي فيها — الأماكن التي تعبر عن التشارك والفرح والاتصال والثقة والحب. لكن التكنولوجيا، كما يرى الكاتب، سرقتنا من بعضنا ومن ذواتنا ثم حاولت بيع بدائل لها؛ ولكن استعادة أنفسنا ليست سهلة مثل فتح الباب والخروج؛ نحن نحتاج إلى مكان نذهب إليه وشخص يرغب في الاتصال حقًا.
ويدعو المقال أيضًا إلى إعادة التفكير في علاقاتنا مع العالم الطبيعي. فالعلاقات الإنسانية لا تقتصر على البشر فقط؛ والحيوانات البرية والأليفة تقدم نوعًا من الرفقة التي تمنح حياتنا معنى وفرحًا لا يمكن التقليل من قيمته. والعيش في هذا العالم الواسع بعلاقاته المختلفة يجعلنا ندرك أننا لسنا وحدنا، وأن هناك أشكالًا متعددة من الوعي تستحق الاحترام والتقدير.
كما يذكر المقال أن التكنولوجيا تعدنا بأن الآلات ستصبح مثلنا، ولكن في الواقع هي تطالبنا أن نصبح مثلها — أن نضيع في السعي وراء الكفاءة والربحية على حساب التجربة الإنسانية الغنية والمتنوعة. وما لا يمكن قياسه لا يمكن تجاهله؛ ما لا يمكن قياسه لا ينبغي أن يُقاس فقط بالكفاءة، بل يجب أن يُوصف ويُقدَّر ويُحترم.
وينتهي النص بتأكيد أن المقاومة الحقيقية لاستحواذ التكنولوجيا على قلوبنا وعقولنا ليست مجرد وضع حدود لاستخدام الأدوات التقنية، بل الاحتفاء بالعلاقات الإنسانية الأصيلة، والفرح في الأشياء العادية، والحياة الملموسة، والروابط التي تمنحنا معنى إنسانيًا أعمق.