مشترون غامضون يعيدون رسم خريطة الطلب العالمي على الذهب
شهدت أسواق الذهب خلال الفترة الأخيرة موجة شراء غير مسبوقة دفعت الأسعار إلى مستويات تاريخية، ما أثار تساؤلات واسعة حول هوية المشترين الحقيقيين والدوافع الكامنة وراء هذا الإقبال المتزايد.
خلف الأرقام القياسية، تتشكل خريطة جديدة للطلب العالمي على الذهب، تختلف كثيرا عما كانت عليه في العقود السابقة.
وفي مقدمة المشترين تأتي البنوك المركزية، التي أصبحت اللاعب الأبرز في سوق الذهب خلال السنوات الأخيرة. فقد كثّفت العديد من الدول، خاصة في الأسواق الناشئة، مشترياتها من المعدن الأصفر بهدف تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار. ويعكس هذا التوجه قلقًا متزايدًا من تقلبات النظام المالي العالمي، والعقوبات الاقتصادية، وتصاعد حالة عدم اليقين الجيوسياسي.
ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، إلى جانب البنوك المركزية، يلعب المستثمرون المؤسسيون دورًا محوريًا في دفع الطلب على الذهب. فمع تصاعد المخاوف من التضخم، وتقلب أسعار الفائدة، واحتمالات التباطؤ الاقتصادي، عاد الذهب ليُنظر إليه بوصفه ملاذًا آمنًا قادرًا على حفظ القيمة في أوقات الاضطراب.
كما شهدت صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب تدفقات قوية، خاصة خلال فترات تراجع الثقة في الأسواق المالية.
أما على مستوى الأفراد، فقد ارتفع الطلب الاستهلاكي على الذهب، لا سيما في آسيا والشرق الأوسط، حيث يُعد المعدن النفيس أداة ادخار تقليدية ووسيلة تحوّط ضد تراجع العملات المحلية. وفي بعض الدول، أسهم ضعف العملات وارتفاع معدلات التضخم في دفع الأسر إلى تحويل مدخراتها إلى ذهب فعلي بدلًا من الاحتفاظ بالنقد.
وتظل الصين والهند عنصرين حاسمين في معادلة الطلب العالمي. ففي الصين، عززت القيود المفروضة على الاستثمار في العقارات والأسهم جاذبية الذهب بوصفه خيارًا بديلًا وآمنًا. وفي الهند، لا يزال الذهب مرتبطًا بالثقافة والادخار طويل الأجل، ما يجعل الطلب عليه أقل حساسية لتقلبات الأسعار على المدى القصير.
وفي المقابل، لم يكن ارتفاع الأسعار مدفوعًا بزيادة المعروض، إذ يواجه قطاع التعدين قيودًا هيكلية تتعلق بارتفاع تكاليف الاستخراج، وطول دورات الاستثمار، وتشدد المعايير البيئية. وقد أسهم هذا الخلل بين طلب قوي ومعروض محدود في ترسيخ الاتجاه الصعودي لأسعار الذهب.
وعلى الصعيد السياسي، لعبت التوترات الجيوسياسية دورًا مهمًا في إعادة الذهب إلى الواجهة. فالنزاعات الدولية، والمخاوف المرتبطة بتجميد الأصول أو استخدام العملات كسلاح سياسي، دفعت دولًا ومؤسسات إلى البحث عن أصل محايد لا يخضع لسيطرة أي دولة.
وفي ظل استمرار حالة عدم اليقين العالمي، يبدو أن الذهب استعاد مكانته ليس فقط كملاذ آمن، بل كأحد أعمدة النظام المالي في مرحلة تتسم بتحولات كبرى في موازين الاقتصاد والسياسة الدولية.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuODQg جزيرة ام اند امز