ثنائية «الذهب والدولار».. لعبة الأسواق للتحوط من قرار الفيدرالي الأمريكي
تشهد الأسواق العالمية حالة من الترقب والتذبذب الشديد، قبل إعلان مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قراره بشأن أسعار الفائدة.
واستهلت الأسواق التعامل اليوم الأربعاء، بتسارع تحركات المستثمرين نحو الذهب، مستفيدين من تراجع الدولار الأمريكي إلى مستويات قريبة من أدنى مستوياته في نحو أربع سنوات، وسط ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة داخل الولايات المتحدة.
وسجلت أسعار الذهب قفزة قوية خلال تعاملات العقود الآجلة، إذ ارتفعت العقود الأمريكية للذهب تسليم فبراير/شباط بنسبة 4.27% لتصل إلى 5339.50 دولار للأوقية، في واحدة من أقوى موجات الصعود خلال الفترة الأخيرة، مدفوعة بعوامل نقدية وسياسية متشابكة.
الدولار تحت الضغط
وفي تفسيره لأسباب هذا الارتفاع، قال كلفن وونغ إن صعود الذهب يرتبط بعلاقة قوية وغير مباشرة مع الدولار الأمريكي، موضحًا أن الأسواق التقطت إشارات واضحة من تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول مستقبل العملة الأمريكية.
وأشار وونغ إلى أن تصريحات ترامب، التي ألمح فيها إلى وجود توافق داخل البيت الأبيض على تبني سياسة "دولار أضعف" خلال المرحلة المقبلة، كانت كفيلة بدفع المستثمرين إلى زيادة مراكزهم في الذهب، باعتباره الملاذ الآمن التقليدي في أوقات ضعف العملة الأمريكية.
ويواجه الدولار، وفق محللين، ما يشبه "أزمة ثقة"، بعدما تحرك بالقرب من أدنى مستوياته في أربع سنوات، ما دفع إلى موجة بيع واسعة للعملة الأمريكية، رغم وصف ترامب لقيمتها بأنها "رائعة"، في تصريحات بدت متناقضة مع اتجاهات السوق.
تراجع ثقة المستهلكين يزيد المخاوف
تزامن ضعف الدولار مع بيانات سلبية عن الاقتصاد الأمريكي، حيث تراجعت ثقة المستهلكين إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من 11 عامًا ونصف العام خلال يناير/كانون الثاني، وسط مخاوف متصاعدة من تباطؤ سوق العمل وارتفاع معدلات الأسعار.
وفي هذا السياق، أعلن ترامب عزمه الكشف قريبًا عن اسم المرشح الجديد لرئاسة البنك المركزي الأمريكي، متوقعًا أن تشهد أسعار الفائدة تراجعًا فور تولي الرئيس الجديد منصبه، وهو ما أضاف مزيدًا من الغموض إلى المشهد النقدي.
الفيدرالي بين السياسة والاقتصاد
وعلى الرغم من هذه الضغوط، تتوقع الأسواق على نطاق واسع أن يُبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماع يناير/كانون الثاني، عند مستواها الحالي البالغ 3.6%، متجاهلًا دعوات ترامب المتكررة لخفض الفائدة.
ويرى محللون أن الفيدرالي يسعى للحفاظ على توازن دقيق بين دعم سوق العمل، الذي تأثر سابقًا بالرسوم الجمركية الواسعة، وبين كبح جماح التضخم الذي لا يزال أعلى من مستهدف البنك المركزي البالغ 2%.
ومن المنتظر أن يركز رئيس الفيدرالي جيروم باول في مؤتمره الصحفي على المدة الزمنية التي ستستمر فيها السياسة النقدية الحالية، في ظل انقسام داخل لجنة السوق المفتوحة بين تيار متشدد يرفض خفض الفائدة قبل السيطرة على التضخم، وآخر يدعو إلى التيسير النقدي لدعم التوظيف.
ذهب وفضة.. صعود تاريخي
وعززت المؤسسات المالية الكبرى من توقعاتها الإيجابية للمعادن النفيسة، حيث توقع دويتشه بنك أن يصل سعر الذهب إلى 6000 دولار للأوقية خلال عام 2026، مدفوعًا باستمرار الطلب الاستثماري، وزيادة توجه البنوك المركزية والمستثمرين نحو الأصول الملموسة غير الدولارية.
ولم يقتصر الصعود على الذهب فقط، حيث ارتفعت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 1.9% إلى 115.11 دولار للأوقية، بعد أن لامست مستوى قياسيًا بلغ 117.69 دولار، محققة مكاسب تقارب 60% منذ بداية العام.
كما صعد البلاتين بنسبة 2% إلى 2692.60 دولار، وارتفع البلاديوم بنحو 1.4% إلى 1961.68 دولار.
الأسواق تسبق القرار
وتعكس هذه التحركات، بحسب خبراء، أن الأسواق لا تنتظر قرارات الفيدرالي بقدر ما تسعى لاستباقها، في ظل بيئة عالمية تتسم بتزايد عدم اليقين السياسي، وتراجع الثقة في العملات الورقية، وتصاعد الإقبال على الذهب والفضة كأدوات تحوط رئيسية.