من الحسكة إلى نينوى.. هل تعبر ارتدادات المشهد السوري حدود العراق؟
في وقت تتسارع فيه التحولات الأمنية في شمال شرقي سوريا، يجد العراق نفسه أمام اختبار حساس لصلابة منظومته الحدودية.
ومع فقدان «قوات سوريا الديمقراطية» السيطرة على منشآت احتجاز، عادت ملفات السجون والمعتقلين المرتبطين بتنظيم داعش الإرهابي إلى الواجهة، وتزايدت المخاوف من انفلات أمني داخل الأراضي السورية يرتد صداه في العراق.
- سجون داعش في سوريا تطلق مخاوف العراق.. ترقب وإجراءات على الحدود
- «فُرض علينا الكثير».. قائد «قسد» يعلن قبول اتفاق وقف النار في سوريا
لكن خبراء في الشأنين الأمني والسياسي تحدثت إليهم «العين الإخبارية» اعتبروا أن التطورات الأخيرة في شمال شرقي سوريا، رغم حساسيتها، لا تشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن العراقي في المدى المنظور، في ظل التحصينات العسكرية والتقنيات الرقابية التي أقامتها بغداد على طول الحدود المشتركة مع سوريا,
وأكدوا أن التنسيق الاستخباري الإقليمي والدولي عامل الحسم في منع انتقال التهديد إلى دول الجوار.

تحصينات ومراقبة شاملة للحدود
وفقدت القوات الكردية التي تقودها «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في شمال شرقي سوريا السيطرة على منشأة احتجاز كبيرة تضم المئات من عناصر تنظيم داعش الإرهابي السابقين في الحسكة، إثر اشتباكات مع فصائل مرتبطة بدمشق.
ولاحقًا، انتشرت مقاطع مصوّرة لموقوفين أُفرج عنهم، فيما تبادل الطرفان الاتهامات بشأن المسؤولية عن الخرق الأمني.
ومنذ سنوات، تتولى «قسد» إدارة عدد من المخيمات والسجون التي تضم عناصر تنظيم داعش الإرهابي وأفراد عائلاتهم في منطقة روجافا، عقب قيادتها، بدعم أمريكي، الجزء الأكبر من المعارك التي أفضت إلى الهزيمة الإقليمية للتنظيم في سوريا عام 2019.
هذا التطور دفع السلطات العراقية إلى إرسال قوات وتعزيزات عسكرية إلى الحدود مع سوريا، بهدف منع أي تداعيات أمنية محتملة على الداخل العراقي.
ويشترك العراق مع سوريا بحدود تمتد لنحو 618 كيلومترًا، يقارب نصفها (نحو 285 كيلومترًا) داخل محافظة نينوى، وهي منطقة ذات تضاريس وعرة وصلاحيات أمنية متداخلة، ولها تاريخ طويل مع محاولات تسلل تنظيم داعش الإرهابي.
وبينما تؤكد السلطات العراقية أن الحدود آمنة، يرى محللون تحدثوا لـ«العين الإخبارية» أن تطورات الداخل السوري لا يمكنها تجاوز التحصينات القائمة، بما في ذلك الجدران الخرسانية وكاميرات المراقبة والانتشار العسكري الكثيف.

العراق «في مأمن»
من جانبه، اعتبر الخبير الأمني البارز فاضل أبو رغيف لـ«العين الإخبارية» أن العراق في مأمن من أي تداعيات أمنية قادمة من الساحة السورية، موضحًا أن بغداد تمتلك منظومة أمنية واستخباراتية متماسكة منذ أكثر من 7 سنوات، وأن الضربات الاستباقية التي نفذتها الأجهزة الأمنية كانت فعّالة في تحييد التهديدات.
وأشار إلى أن سيناريو الشدادي في محافظة الحسكة يعكس طبيعة التفاعلات المعقدة بين الفصائل المسلحة، لافتًا إلى أن «العراق يتمتع بتحصين كبير على الحدود مع سوريا، حيث تنتشر 975 كاميرا حرارية تابعة لقيادة العمليات المشتركة، إلى جانب وجود كثيف لقوات الجيش، ومكافحة الإرهاب، والشرطة، فضلًا عن قوات من الحشد الشعبي».
ولفت إلى تدخل الولايات المتحدة فيما وصفه بـ«مسار المقايضة» بين «قسد» ودعم الحكومة السورية.

سجن «الأقطان»
بدوره، قال الخبير السياسي رمضان البدران لـ«العين الإخبارية» إن سجن الأقطان يقع على بعد نحو 200 كيلومتر فقط من الحدود العراقية، ما يجعله موقعًا أمنيًا حساسًا ذا أبعاد إقليمية.
وأضاف أن الولايات المتحدة بدأت منذ وجود الفصائل المسلحة في إدلب، وقبل سقوط نظام بشار الأسد، بالتعامل مع مقاتلي الحكومة السورية، مشيرًا إلى أن السياسة الأمريكية انتقلت من الاعتماد الحصري على «قسد» إلى التعامل المباشر مع الحكومة السورية، التي أصبحت جزءًا من التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب.
وأوضح أن سوريا باتت بأكملها ضمن منظومة التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي، ولم يعد هذا الدور مقتصرًا على «قسد» كما كان في السابق.
وعن احتمالات الخطر على العراق، شدد البدران على أنه «لا يوجد أمن كامل في أي دولة، لا سيما في المناطق الحدودية»، مؤكدًا أن الحماية الفعالة تعتمد على التنسيق الاستخباري وتبادل المعلومات، أكثر من الإجراءات المادية وحدها.
وأشار إلى أن العراق عزز حدوده مع سوريا بثلاثة أحزمة دفاعية بشرية ولوجستية، مدعومة بخنادق وأسلاك شائكة وكاميرات حرارية، وانتشار حرس الحدود ووحدات مدرعة، ما قرّب الحدود من مستوى السيطرة شبه الكاملة.
الخطر يكمن في الداخل السوري
بدوره، يرى المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأمنية كامل الكناني، في حديثه لـ«العين الإخبارية»، أن العراق يمتلك القدرة الكافية لردع أي محاولات تسلل إرهابية من السجون السورية، معتبرًا أن الخطر الحقيقي يكمن داخل الأراضي السورية نفسها، بعد خروج أعداد كبيرة من عناصر تنظيم داعش الإرهابي.
وأوضح الكناني أن أمن العراق يتأثر بما يجري في سوريا، غير أن التهديد الأكبر لا يتمثل في التسلل الحدودي، بل في مصير آلاف المعتقلين.
ووفق وزارة الخارجية الأمريكية، يُحتجز نحو 9 آلاف مقاتل من تنظيم داعش الإرهابي في سجون شمال شرقي سوريا، من بينها الحسكة والقامشلي والرقة، إضافة إلى سجن غويران الذي كان يضم وحده نحو 12 ألف نزيل، وينحدر هؤلاء من أكثر من 40 دولة، ترفض غالبيتها استعادتهم.
وحذّر الكناني من أن هؤلاء يشكلون «قنبلة موقوتة»، داعيًا إلى تشديد الإجراءات وتعزيز التعاون الاستخباري مع واشنطن لمنع أي فراغ أمني قد يستغل.
تطمينات حكومية.. والصدر يحذّر
في المقابل، أكد صباح النعمان، المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية، أن الحدود العراقية–السورية مؤمّنة بالكامل، مشيرًا إلى أن بناء الجدار الخرساني وصل إلى نحو 80%، مع خطط لاستكماله على امتداد الحدود، إلى جانب أنظمة مراقبة متطورة وتنسيق عالٍ مع حرس حدود إقليم كردستان.
ومن جانب آخر، حذّر زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الحكومة العراقية من تداعيات ما يجري في الداخل السوري، داعيًا دمشق إلى تسليم المعتقلين العراقيين إلى بغداد.
وقال الصدر في بيان: «يجب مطالبة السلطات السورية بتسليم المعتقلين العراقيين إلى الحكومة العراقية»، داعيًا القوات الأمنية إلى «رفع مستوى الاستعداد والبقاء في حالة يقظة».
وأضاف: «سأحمّل الحكومة المركزية والحكومات المحلية المحاذية لسوريا المسؤولية الكاملة عن أي خروقات حدودية»، بما في ذلك تهريب الأسلحة ودخول وخروج «العناصر الإرهابية»، في إشارة إلى حكومة إقليم كردستان.