نحن في زمنٍ تحولت فيه شاشاتنا الصغيرة إلى منابر مفتوحة، باتت الكلمة عهدًا، والمنشور أمانة، والتغريدة واجهةً تعكس عمق الثقافة أو تخدش ملامحها.
إن فضاء التواصل الاجتماعي اليوم لم يعد مساحة عابرة لتبادل الأفكار، بل أصبح مرآةً حقيقية للمواطنة، واختبارًا يوميًا لمنظومة القيم التي تربينا عليها.
ومن هنا، نعود بالذاكرة إلى أواخر أغسطس من عام 2019، حين جاءت الرسائل الأبوية الاستشرافية لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ضمن «موسم جديد للعمل»، لتضع منذ ذلك الحين الخطوط الفاصلة بين حرية التعبير المسؤول، وبين العبث الذي يمس روح الهوية الوطنية. إن استرجاع هذا التوقيت اليوم يبرهن على عمق الرؤية الاستباقية، ورسوخ الفكر الاستشرافي للقيادة التي قرأت أبعاد المستقبل الرقمي وتحدياته، وحصّنت وعي المجتمع مبكرًا.
وتتجلى أولى أبعاد هذه الرؤية في ضرورة صون الحصاد التنموي من عبث العشوائية؛ فعندما يوجهنا القائد قائلًا: «العبث والفوضى على وسائل التواصل الاجتماعي تأكل من منجزات تعبت آلاف فرق العمل من أجل بنائها»، فإننا نستشعر في كلماته حرص المعماري على بنيانه. إنها دعوة للتأمل في قيمة «الجهد الجماعي»؛ فخلف كل منجز وطني نقف عليه اليوم، هناك جنود مجهولون، وفرق عمل واصلت الليل بالنهار لبناء السمعة والمكانة. واستخدم سموه لكلمة «تأكل» تنبيهٌ بليغ إلى أن الاندفاع غير المحسوب من فئة قليلة قد يبدد، في لحظة طيش افتراضية، جهودًا تنموية واجتماعية استغرقت عقودًا من البناء الرصين.
هذا الفهم يقودنا بالضرورة إلى إدراك أن السمعة الوطنية أمانة غالية، والدفاع عنها واجب وطني لا غبار عليه، لكنه دفاع يستند إلى الوعي والحجة لا إلى العشوائية أو الهجوم الاندفاعي باسم الإمارات. إن الذود عن مكانة الدولة يتطلب ترسيخ وعيٍ مسؤول يدرك أن اسم دولة الإمارات ومكانتها الرفيعة هما رأس مالٍ رمزي، نسيجه الاحترام المتبادل والمصداقية، ولا يمكن بحالٍ من الأحوال تحويل السجال الرقمي إلى وقودٍ لمعارك كلامية لا تشبهنا ولا تليق برقينا.
ومن أسس التنظيم المجتمعي الحكيم ومرتكزاته الدبلوماسية، تبرز حكمة التخصص ومأسسة الخطاب، التي تجسدت في قوله سموه: «لدينا وزارة للخارجية معنية بإدارة ملفاتنا الخارجية والتحدث باسمنا… وإحدى مهامها الأساسية الحفاظ على 48 عامًا من رصيد المصداقية والسمعة الطيبة». هنا يعيد القائد بوصلة الخطاب الخارجي إلى مسارها الرسمي؛ فالسياسة الخارجية، والحديث في الشؤون الكبرى والملفات الدولية، ليست مجادلات شخصية، بل علم ودبلوماسية تقودها قنوات رسمية واعية، ليتكامل دور المواطن الواعي معها عبر خطاب مسؤول يذود عن قضايا الوطن برصانة، ويعكس رقي المجتمع وثقته بمؤسساته، بعيدًا عن الاجتهادات العاطفية العابرة.
ولأن كل قصة نجاح في هذا الوطن تستند، في جوهرها، إلى الوفاء لإرث زايد الأخلاقي، جاء الالتزام الأعظم في مقولة سموه: «لن نسمح أن يعبث مجموعة من المغردين بإرث زايد الذي بناه لنا من المصداقية وحب واحترام الشعوب». في هذه الكلمات يتجلى البُعد القيمي والأخلاقي الأعمق؛ فإرث الشيخ زايد، طيب الله ثراه، ليس مجرد تاريخ نرويه، بل هو «منهج حياة»، وقوام هوية سماتها الحكمة، واللباقة، والتسامح، ومد جسور الخير. وحماية هذا الإرث والذود عنه في الفضاء الرقمي هما الأمانة الكبرى التي يحملها كل مواطن ومحب لهذه الأرض، مشكلةً امتدادًا طبيعيًا للوفاء والسنع في فضاء الواقع.
إن العودة إلى قراءة هذه المبادئ وتطبيقها اليوم لا تأتي من باب التشكيك في صدق الانتماء؛ فالنسيج المجتمعي، بأطيافه كافة، يقف على أرضية الولاء والانتماء والمسؤولية، باذلًا الغالي والنفيس في ميادين البناء والتطوير. ولكن التذكير يأتي دائمًا من باب النصح الأبوي الحريص والمحب، لترسيخ نبل الغاية وحسم التوجيه من خلال الشفافية العالية والوضوح التام؛ فلم تكن المعالجة خلف الأبواب المغلقة، بل جاءت خطابًا علنيًا مباشرًا، ليقين القيادة بأن فضاءنا الرقمي يجب أن يظل واعيًا ومسؤولًا، يعكس وعينا المشترك، ويمثل رسالة طمأنينة للداخل والخارج معًا، بأن القيم الأصيلة هي الثابت والأساس، وأن أي خروج عنها لا يمثل إلا صاحبه.
وعندما ننتقل من استشراف عام 2019 إلى واقعنا الحالي في عام 2026، نرى كيف تحولت هذه الحكمة إلى حصن رقمي مستدام، باعتبارها معركة وعي مستمرة، وليست حالة مكتملة أو مثالية بالمطلق. إننا، إذ نتأمل المشهد الرقمي العالمي المعقد اليوم، ندرك تمامًا أن تلك الرسائل لم تكن إدارية لوقتها فحسب، بل كانت قراءة دقيقة لعالم تتقاطع فيه الخوارزميات بالسياسة، وتتحول فيه المنصات إلى ساحات حقيقية للتأثير في القوة المرنة للدول.
وتتجلى ثمار هذا الحصن اليوم عبر ثلاثة أبعاد رئيسية؛ أولها تحويل المنصات الافتراضية إلى منارات لصناعة المحتوى الهادف الذي يبني المعرفة، وثانيها التمسك بأصالة قيمنا وموروثنا كركيزة ثابتة لا تذوب في عاصفة الذكاء الاصطناعي الطاغية، وثالثها رفد الدبلوماسية الرسمية عبر تقديم أنفسنا للعالم كجسر تواصل، ومنصة سلام وبناء.
ويبقى الأثر الحقيقي في هذا الوعي المجتمعي الإماراتي الرصين المشهود عبر منصات التواصل؛ فبالرغم من ضغط الفضاء الافتراضي الشديد، وجاذبية المساجلات العابرة التي قد تستدرج الحماسة العاطفية أحيانًا، إلا أن الثابت والعمود الفقري للمشهد هو التعبير المسؤول في الذود عن قضايا الوطن برصانة وحكمة، دون الانزلاق في وحل المزايدات العشوائية.
لقد تحول الالتزام بالكلمة والمسؤولية الرقمية من مجرد استجابة لتوجيه، إلى مشروع ثقافة وطنية واعية يخوضها النسيج المجتمعي كجهد مستمر، مدركين أن ضبط هذا الحضور هو المكمل الحقيقي لعطائنا الميداني؛ فالانتماء الصادق لا يتجزأ، وهو في الفضاء الافتراضي حمايةٌ لسمعة الوطن والدفاع الأسمى عنها، كما هو في الواقع عملٌ دؤوب لأجل رفعته.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة