لم يعد السؤال اليوم: هل نحن مستعدون للمستقبل؟ بل السؤال الأكثر إلحاحاً وجوهرية: هل نشارك في صناعته؟
فالمستقبل لا ينتظر أحداً، ولا يتشكل تلقائياً بمرور الزمن، بل تصنعه الرؤى الجريئة والقرارات التي تُتخذ اليوم قبل الغد. ومن هنا تبرز أهمية “الخيال الاستباقي”، بوصفه القدرة على تصور واقع لم يوجد بعد، ثم العمل المنهجي على تحويله إلى إنجاز ملموس. فبين من يكتفي بالتكيف مع المتغيرات، ومن يسعى إلى رسم مساراتها وتوجيهها، يتحدد موقع الأفراد والمؤسسات والدول في خريطة عالم الغد.
وقد أثبت التاريخ، أن كل تحول كبير بدأ بفكرة بدت في بدايتها بعيدة المنال أو ضرباً من الوهم. فالأمم التي تقود العالم اليوم لم تصل إلى مكانتها عبر انتظار الفرص أو الاكتفاء بمراقبة المشهد، بل عبر امتلاك الجرأة على تخيل واستشراف مستقبل مختلف، ثم الاستثمار الواعي في تحويله إلى حقيقة.
وتقدم الإمارات نموذجاً حياً وناصعاً لهذه الفلسفة. فعندما أُعلن في عام 2014 عن مشروع “مسبار الأمل” لاستكشاف المريخ، رأى كثيرون أن الهدف طموح إلى حد بعيد بالنسبة لدولة حديثة العهد بقطاع الفضاء. غير أن الإمارات كانت ترى ما لا يراه الآخرون، وتحمل ما لا يحمله كثيرون: خيالاً استباقياً يتجاوز حدود الممكن الراهن.
لم يكن المشروع مجرد مهمة فضائية للوصول إلى الكوكب الأحمر، بل رؤية متكاملة لبناء منظومة علمية وطنية صلبة، وإعداد أجيال من الباحثين والعلماء الإماراتيين، وترسيخ ثقافة راسخة تؤمن بأن المعرفة والاستكشاف ليسا ترفاً، بل استثمار استراتيجي طويل الأمد لا غنى عنه.
وإذا كان استكشاف الفضاء يمثل أحد أبرز تجليات الخيال الاستباقي، فإن الذكاء الاصطناعي يمثل تجلياً آخر لا يقل أهمية، بل ربما يفوقها في تأثيره المباشر على الحياة اليومية، إذ يعيد تشكيل طريقة عمل الحكومات والشركات والأفراد بوتيرة غير مسبوقة في تاريخ البشرية. ففي غضون سنوات قليلة، انتقل الذكاء الاصطناعي من تقنية ناشئة في أروقة المختبرات إلى أحد أبرز محركات التنافس العالمي، مؤثراً في مختلف القطاعات وأساليب العمل وأنماط الحياة.
وقد أثبت الواقع أن تأثيره يمتد إلى مهن كان يُعتقد سابقاً أنها منيعة أمام التحول التقني. فهو يدعم الأطباء في التشخيص المبكر والدقيق، والمحامين في تحليل النصوص القانونية المعقدة، والصحفيين في إعداد التقارير وتمحيص المعلومات، والمهندسين في ابتكار الحلول وتطويرها، دون أن يلغي هذه المهن أو يُهمّشها، بل يُعيد تشكيل أدوارها ومتطلباتها ومعايير التميز فيها.
وفي مواجهة هذا التحول الجذري، لم تكتفِ الإمارات بمتابعته من موقع المُتلقّي، بل حرصت على الإسهام الفعّال في صناعته. فمنذ إطلاق جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي عام 2019، كإحدى أولى الجامعات المتخصصة كلياً في هذا المجال على مستوى العالم، أكدت الدولة أن الاستثمار الحقيقي في المستقبل لا يبدأ بالأجهزة والبنية التحتية وحدها، بل يبدأ ببناء العقول القادرة على قيادة هذا المستقبل وتوجيهه. كما عمّقت الدولة ثقافة استشراف المستقبل والمرونة والجاهزية المؤسسية في الجهات الحكومية من خلال مبادرات وبرامج متخصصة لدراسة السيناريوهات المحتملة واستباق المتغيرات قبل وقوعها.
وتجسّد هذا التوجه بصورة أكثر جلاءً وجرأةً في أبريل 2026، عندما أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وبتوجيهات سامية من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، عن إطار حكومي متكامل يستهدف تحويل 50% من القطاعات والخدمات والعمليات الحكومية إلى نماذج تعتمد على الذكاء الاصطناعي الوكيل خلال عامين فحسب.
ويهدف هذا الإطار الطموح إلى إعادة تصميم شاملة للسياسات والإجراءات والخدمات الحكومية بالاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي ذاتي التنفيذ واتخاذ القرار، في خطوة غير مسبوقة تعكس إيماناً راسخاً بأن المستقبل يُصنع بالمبادرة الجريئة والاستعداد المبكر، لا بردود الأفعال المتأخرة.
بيد أن ثمة خطراً أعمق وأشد إلحاحاً يستدعي الوقوف عنده. فلعل أخطر أشكال التبعية في القرن الحادي والعشرين ليست اقتصادية أو عسكرية فحسب، بل ما يمكن تسميته بـ"استعمار المستقبل": شكل جديد من أشكال الهيمنة الناعمة يحدث حين تكتفي مجتمعات بأسرها باستهلاك ما ينتجه الآخرون من معرفة وتقنيات وابتكارات، بينما ينشغل أولئك الآخرون برسم ملامح الغد وصياغة قواعده وشروطه.
في هذا المشهد، لا تُحتلّ الأرض بالقوة، بل تُحتلّ العقول بالتبعية، ولا تُفرض السيطرة بالسلاح، بل بامتلاك القدرة على تعريف المستقبل وصياغة أجندته.
ولهذا فإن ثمن غياب الخيال الاستباقي قد يكون باهظاً بما يفوق التصور. فالمؤسسات التي تكتفي بردود الأفعال تفقد قدرتها التنافسية تدريجياً وبصمت، والدول التي تتأخر في استشراف التحولات الكبرى تجد نفسها مضطرة للتكيف مع قواعد وضعها الآخرون وفق مصالحهم. وعندما يغيب تصور المستقبل ويتراجع، يصبح القرار الوطني رهيناً بما يفرضه الواقع، بدلاً من أن يكون أداة فاعلة لتشكيله وصياغته. وينطبق ذلك بالقدر ذاته على الأفراد.
فالشخص الذي يتساءل اليوم بجدية: كيف سيبدو عالمه بعد عشر سنوات؟ وما موقعه فيه؟ ثم يطور مهاراته ومعارفه وفق هذه الرؤية المستقبلية، لا يكتفي بالاستعداد للمستقبل، بل يغدو شريكاً حقيقياً في صنعه والتأثير في مساره.
لذلك، الخيال الاستباقي ليس ترفاً فكرياً يتعلق بأحلام اليقظة وخيالات المستقبل، بل هو ضرورة استراتيجية حتمية في عالم تتسارع تحولاته بصورة لم يشهدها التاريخ من قبل. والفارق بين الأمم لن يكون في حجم مواردها وحدها، بل في قدرتها على تخيل ما لم يوجد بعد، والشجاعة على السير نحوه.
وختاما أقول: فكّر أبعد، وتحرّك أسرع، واصنع أثرك قبل أن تُفرض عليك خيارات الآخرين. فالمتأقلم يواكب، والمبادر يتقدم، أما صانع المستقبل فهو من يرسم الطريق الذي سيسلكه الجميع.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة