يمثل توجيه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بإنشاء «سلطة دبي للديمومة الصحية» خطوة نوعية في مسار تطوير القطاع الصحي في دولة الإمارات.
هذا لأنه ينقل مفهوم الصحة من الإطار التقليدي القائم على علاج المرض إلى منظور أوسع يركز على الوقاية، وجودة الحياة، وإطالة العمر الصحي للإنسان.
فالديمومة الصحية لا تعني فقط أن يعيش الإنسان سنوات أطول، بل أن يعيشها بصحة أفضل، وبقدرة أكبر على العمل والإبداع والمشاركة في المجتمع. ومن هنا، فإن هذا التوجه يعكس فهماً متقدماً للصحة باعتبارها رأسمالاً وطنياً، لا خدمة علاجية فحسب. فالمجتمع السليم هو مجتمع أكثر إنتاجية واستقراراً وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
تأتي هذه المبادرة في سياق رؤية إماراتية أوسع تقوم على الاستشراف والابتكار وبناء الإنسان. فقد أصبحت الصحة اليوم مرتبطة بالتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والطب الدقيق، وتحليل البيانات، والتغذية، ونمط الحياة، والصحة النفسية، والبيئة العمرانية. ولذلك، فإن إنشاء سلطة متخصصة بالديمومة الصحية يمنح دبي فرصة لبناء منظومة متكاملة تجمع بين البحث العلمي، والسياسات العامة، والخدمات الصحية، والابتكار الطبي.
وتكمن أهمية هذه الخطوة أيضاً في أنها تعزز موقع دبي مركزاً عالمياً للصحة المستقبلية. فالعالم يتجه بسرعة نحو نماذج صحية جديدة لا تنتظر المرض حتى يقع، بل تعمل على التنبؤ به والوقاية منه مبكراً. وهذا يتطلب مؤسسات قادرة على التنسيق بين القطاعين العام والخاص، واستقطاب الخبرات العالمية، وتطوير تشريعات مرنة تواكب التحولات العلمية والتكنولوجية.
غير أن نجاح الديمومة الصحية لا يعتمد على المؤسسات وحدها، بل على تحويل الصحة إلى ثقافة يومية داخل المجتمع. فالوقاية تبدأ من المدرسة والبيت ومكان العمل، ومن الغذاء المتوازن، والحركة، والنوم الجيد، والفحوص المبكرة، والوعي بالصحة النفسية والجسدية. وبذلك تصبح الصحة مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والفرد.
إن إنشاء «سلطة دبي للديمومة الصحية» يعبر عن فلسفة إماراتية واضحة: المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع. وهذه المبادرة لا تسأل فقط: كيف نعالج الإنسان حين يمرض؟ بل كيف نحافظ على صحته قبل المرض، وكيف نجعل حياته أطول وأفضل وأكثر إنتاجاً.
بهذا المعنى، تقدم الإمارات نموذجاً متقدماً في الانتقال من طبّ المرض إلى طبّ الحياة، ومن إدارة الأزمات الصحية إلى بناء الرفاه المستدام، واضعةً الإنسان في قلب التنمية، والصحة في قلب المستقبل.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة