تحمل الآلية الجديدة التي تحركت بها لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، الأسبوع الماضي، مؤشراً حرجاً على تحول نوعي في مقاربة واشنطن للأزمة السودانية.
إذ لم تعد الأدوات الأمريكية حبيسة سياق العقوبات الاقتصادية التقليدية أو الاستهداف الفردي للمتورطين في النزاع، بل تجاوزت ذلك إلى هندسة عزل سياسي يضرب في عمق الشرعية القانونية والدبلوماسية لسلطة بورتسودان.
إن مشروع القانون الجديد، الذي يطالب الإدارة الأمريكية بالطعن في شرعية تمثيل الحكومة السودانية داخل الأمم المتحدة عبر تفعيل «القاعدة 29» في لجنة اعتماد المندوبين، يمثل محاولة لإعادة صياغة شروط اللعبة السياسية في السودان. هذا التحول لا يستهدف فقط إضعاف جنرالات الحرب، بل يهدف إلى تجريد السلطة القائمة من درعها السيادي الزائف، ورهن هذا التمثيل بحدوث انتقال مدني ديمقراطي حقيقي.
لقد اعتادت جماعة «إخوان البرهان» في السابق على التعامل مع حزم العقوبات الأمريكية كأضرار جانبية يمكن الالتفاف عليها أو التعايش معها. غير أن المقترح الحالي يذهب إلى ما هو أبعد؛ إذ يتجه مباشرة نحو نزع الأهلية الدبلوماسية.
إن التلويح بإقصاء ممثلي سلطة بورتسودان من مقعدهم الأممي، الذي حصلوا عليه بوضع اليد بعد انقلابهم على الحكومة المدنية الانتقالية، يعني عملياً إرجاع سلطة بورتسودان إلى حقيقتها كسلطة أمر واقع فاقدة للاعتراف القانوني، مما سيتسبب في شلل دبلوماسي كامل يعوق قدرتها على توقيع الاتفاقيات الدولية أو الحصول على قروض ومساعدات من المؤسسات المالية متعددة الأطراف.
ويقترن المشروع بهذا الحصار الدبلوماسي عبر آليات عقابية بالغة الصرامة، من خلال مراجعة تصنيف أطراف النزاع كـ«إرهابيين عالميين مصنفين بشكل خاص»، المعروفة بـ(SDGT)، وهي أداة مالية وسياسية حارقة.
والأخطر في هذا المسار هو شمول العقوبات للنخب المحيطة بالقيادات العسكرية التي يثبت تورطها في ارتكاب انتهاكات، في خطوة تهدف إلى تفكيك شبكات المصالح العائلية والتجارية التي تغذي استمرار الحرب.
ويكشف الفصل الخاص بـ«الاستراتيجية» في مشروع القانون أن المشرّع الأمريكي بات ينظر إلى الكارثة الإنسانية في السودان، وعرقلة الإغاثة، والانتهاكات الجسيمة، بوصفها مهددات للأمن الدولي لا يمكن حلها بالمسكنات الدبلوماسية.
إن إلزام البيت الأبيض بتقديم تقارير دورية ومراجعات صارمة خلال 90 يوماً يعكس رغبة الكونغرس في سحب ملف السودان من الأدراج الخلفية لوزارة الخارجية ووضعه تحت مجهر الرقابة التشريعية اللصيقة.
إن الرسالة الأمريكية واضحة وضوح الشمس؛ لقد ولى عهد الإفلات من العقاب تحت غطاء السيادة الوطنية الزائفة، وأن الشرعية الدولية لا تُمنح لمن يدير حرباً على حساب أشلاء المدنيين ومستقبل البلاد.
وبالرغم من أن المشروع لا يزال يتطلب مصادقة مجلس النواب بكامل هيئته، ومجلس الشيوخ، وتوقيع الرئيس، فإن مجرد التوافق عليه داخل لجنة الشؤون الخارجية يبعث بإشارات واضحة إلى بورتسودان، مفادها أن الاستمرار في خيار الحسم العسكري وعرقلة المسار الإنساني سيقودان حتماً إلى عزلة دولية خانقة.
إنها معركة كسر عظم دبلوماسية، قد تحرم السلطة الحالية من آخر أوراق قوتها المتمثلة في وراثتها لتمثيل السودان في المحافل الدولية، وهي أيضاً تضعها أمام مفترق طرق: إما الانصياع لخيار التحول المدني، أو نزع الغطاء عنها لتظهر على حقيقتها: كإرهابيين ومجرمين يديرون سلطة مارقة ومنبوذة.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة