أضحت منطقة الخليج تقف بين تصعيدٍ محتمل وهدوءٍ هشّ يكتنفه الخطر، في وقتٍ تقترب فيه الأطراف المعنية من تفاهمٍ أولي يتضمن مساراً تفاوضياً يمتد ستين يوماً لمعالجة الملفات العالقة.
وفي ظل هذه التطورات، يبرز التساؤل: هل الصراع مع إيران صراعٌ واقعي تحكمه المصالح الاستراتيجية، أم أنه مؤطر بأهدافٍ خفية لدى الأطراف المتصارعة، والتي تغذي فضاءات خيال المؤامرة، لا سيما مع ما يتردد من تسريبات بشأن تفاهمات تقوم على مبدأ عدم الاعتداء المتبادل بين واشنطن وطهران وحلفائهما الإقليميين، بما قد يفضي إلى تكريس معسكرين متقابلين تحكم علاقتهما معادلات التنافس والردع وإدارة الصراع بدلاً من حسمه، وكأننا في حالة يمكن أن نسميها الحرب الباردة الشرق أوسطية على غرار الحرب الباردة العربية بين المعسكرين الجمهوري والملكي.
تُعد المواجهة الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، بوصفها إطاراً تفسيرياً للصراع الممتد في الشرق الأوسط، من أكثر الظواهر الجيوسياسية تعقيداً وتشابكاً في النظام الدولي المعاصر، لذا فهي ليست حرباً تقليدية ذات جبهات واضحة ومحددة، بل مسار ممتد تتداخل فيه الأدوات العسكرية والاقتصادية والاستخباراتية والإعلامية والقانونية، إضافة إلى حروب الوكالة وصراعات النفوذ الإقليمي، وما يتفرع عنها من تفسيرات تحليلية تتراوح بين تغيير النظام الإيراني أو ضبط سلوكه في سياقات ومقاربات واقعية، وبين أخرى تندرج تحت نظريات المؤامرة وتشكيل حالة تشبه الحرب الباردة العربية.
وعليه، يمكن فهم هذا الصراع عبر مستويات تفسيرية متعددة، تتداخل فيها المصالح المعلنة مع التصورات غير المعلنة، مع ضرورة التمييز بين ما هو قائم على سياسات رسمية وواقعية، وما هو قائم على الاستنتاج أو التأويل، وما هو متخفٍ وسيخرج إلى العلن.
أولاً: التصور الاستراتيجي المعلن
- تُبرر الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ومعها إسرائيل، سياساتها تجاه إيران بمجموعة من الأهداف الاستراتيجية، أبرزها:
- منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
- تقليص قدراتها الصاروخية وتطوير الطائرات المسيّرة.
- الحد من نفوذ الجماعات الحليفة لإيران في الشرق الأوسط ضمن الفاعلين من غير الدول. ويستند هذا التوجه إلى رؤية تعتبر أن السياسة الجيوسياسية الإيرانية ذات طابع عقدي عابر للحدود، بما يضعها في حالة تصادم مع مبدأ سيادة الدول كما تقره قواعد الشرعية الدولية والعلاقات بين الأمم.
حماية المصالح الأمريكية وحلفائها الإقليميين.
منع إيران من استخدام جغرافيتها المهمة على الخليج ومضيق هرمز لتهديد أمن الخليج والشرق الأوسط والطاقة.
تغيير النظام الإيراني أو دفعه نحو تعديل سلوكه السياسي والإقليمي، من دون الانزلاق إلى حالة من الفوضى الداخلية قد تنعكس تداعياتها على منطقة الخليج والدول المجاورة لإيران، وهو هدف يبدو أقرب إلى المقاربة الأمريكية منه إلى الرؤية الإسرائيلية.
وتندرج هذه الأهداف ضمن مقاربةٍ استراتيجية أوسع تستهدف إعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط، من خلال الحد من دور إيران بوصفها قوةً إقليمية مؤثرة تستند إلى موقعها الجيوسياسي ومواردها الطبيعية وشبكة حلفائها من الفاعلين من غير الدول، وعلاقاتها مع بكين وموسكو، بما يدفع المنطقة نحو ترتيبات أكثر انسجاماً مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية. كما تشمل هذه المقاربة ضمان أمن إمدادات الطاقة وحماية الممرات البحرية الحيوية، ولا سيما في مضيق هرمز وباب المندب.
ثانياً: البعد الجيوسياسي وتغيير سلوك النظام
إلى جانب الأهداف المعلنة، تشير بعض التحليلات السياسية إلى أن مستوى الحرب والضغوط المفروضة على إيران قد تجاوز في بعض جوانبه مفهوم الردع التقليدي. فخلال فترات التصعيد والهدنة على حد سواء، بات الردع ليس حالة تسبق الحرب، بل حالةً قائمة خلالها ولتحسين شروط التفاوض. وهذا ما يفسر شن ملالي طهران هجمات مباشرة ضد دول مجلس التعاون الخليجي والأردن وإسرائيل، ناهيك عن حالة الردع الذهنية، التي يتم خلالها استحضار التداعيات المحتملة لأي حالة فوضى قد تنجم عن انهيار النظام الإيراني.
ثالثاً: التصور المؤامراتي
في المقابل، تنتشر مجموعة من التفسيرات التي تندرج ضمن ما يُعرف بنظرية المؤامرة، وهي تفسيرات لا تستند إلى أدلة حاسمة، لكنها تحظى بانتشار إعلامي وشعبي، خاصة في ظل استمرار الهدنة مع بعض العمليات العسكرية المتبادلة. وهذه التفسيرات تتمحور حول فرضيات مثل:
- إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط عبر تفكيك القوى المنافسة لصالح قوة إسرائيل ومصالح الولايات المتحدة.
- السيطرة على موارد الطاقة أو التأثير المباشر في أسواق النفط العالمية.
- استدامة الصراع بما يبرر وجوداً عسكرياً أمريكياً طويل الأمد في المنطقة.
- إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية بما يضمن إنهاء أي محور معادٍ للولايات المتحدة وإسرائيل.
رابعاً: الحرب الباردة الإقليمية الجديدة ضمن منظور المؤامرة
وقد اكتسب التصور المؤامراتي زخماً إضافياً في ظل تسريبات عن الاتفاق بين واشنطن وطهران حول مستقبل منطقة الشرق الأوسط. ففي ضوء ما يتم تداوله من تسريبات حول بنود «اتفاق أمريكي–إيراني» محتمل، يبرز حديث عن صيغة تقوم على «عدم اعتداء إقليمي متبادل»، بما قد يعيد رسم المنطقة ضمن اصطفافين رئيسيين: حلفاء الولايات المتحدة في مواجهة حلفاء طهران داخل الشرق الأوسط.
وبحسب هذا التصور، فإن جوهر الترتيب لا يقوم فقط على ضبط العلاقة المباشرة بين واشنطن وطهران، بل يمتد ليشمل التزامات متبادلة تقضي بامتناع كل طرف مع حلفائه عن استهداف الطرف الآخر وشبكته الإقليمية. غير أن هذا النمط من التفاهمات، إن صحّ أو اقترب من الواقع، لا يعني بالضرورة نهاية الصراع، بل قد يؤسس لحالة «تعايش قائم على الردع»، تُدار فيها العلاقة بين المحورين عبر قواعد غير مكتوبة من التنافس المحسوب والاحتواء المتبادل وتفادي المواجهة المباشرة، مع بقاء احتمالات التصعيد قائمة في الأطراف والهامش.
إن صح هذا الاتفاق، فالمنطقة تتجه إلى بنية إقليمية أكثر تعقيداً، لا تُشبه السلام التقليدي بقدر ما تُشبه إدارة دائمة للصراع ضمن حدود مضبوطة، وهو ما يعيد إلى الأذهان ما عُرف في الأدبيات السياسية بـ«الحرب الباردة العربية». وهذا المصطلح «الحرب الباردة العربية» ارتبط بالأساس بالدكتور الأمريكي مالكولم كير، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، والذي استخدمه في كتابه الشهير «الحرب الباردة العربية». وقد أراد كير من خلال هذا المصطلح وصف حالة الصراع غير المباشر بين الدول العربية في فترة الخمسينيات والستينيات حتى وفاة جمال عبد الناصر عام 1970، حيث انقسم العالم العربي إلى معسكرين رئيسيين: معسكر قومي ثوري تقوده مصر في عهد جمال عبد الناصر، ومعسكر ملكي محافظ تقوده السعودية. وقد تجلّى هذا الصراع في أشكال متعددة مثل دعم الحركات السياسية والانقلابات، والحروب بالوكالة، والتنافس الإعلامي والأيديولوجي، دون أن يصل إلى حرب مباشرة شاملة بين الدول نفسها، على غرار مفهوم الحرب الباردة العالمية.
وبالقياس التحليلي، فإن أي اصطفاف جديد قد ينشأ عن ترتيبات كبرى بين الولايات المتحدة وإيران وحلفائهما، قد لا يفضي إلى إنهاء منطق الصراع بقدر ما يعيد إنتاجه في صيغة مختلفة، حيث يتم الاعتراف بحلفاء النظام الإيراني الثيوقراطي كحزب الله والحوثيين والمليشيات والجماعات الموالية في العراق، مقابل توسع الاعتراف والتعاون مع إسرائيل. وهذا الوضع أقرب إلى «حرب باردة إقليمية» جديدة، تتداخل فيها أدوات الردع والسياسة والاقتصاد، وتبقى فيها خطوط التماس مفتوحة على احتمالات التصعيد، وإن كانت مضبوطة بإيقاع توازنات دقيقة وحساسة.
ولعل المصطلح الأنسب في هذا السياق، وبنفس منطق «الحرب الباردة العربية»، يمكن صياغته بشكل أكاديمي في مصطلح «الحرب الباردة الشرق أوسطية»، فهذا المصطلح ربما يكون أكثر دلالة على حالة التنافس والردع وإدارة الصراع وحتى التعاون في بعض الأحيان.
خامساً: البعد الجيو-اقتصادي للصراع
تكتسب مسألة مرور الطاقة وسوق النفط والغاز أهميةً خاصةً لا تُقرأ فقط ضمن إطار اقتصادي إقليمي، بل أيضاً كأداة نفوذ جيوسياسي تستخدمها القوى الكبرى لإعادة توزيع موازين القوة والصراع على الموارد الطبيعية في النظام الدولي. وهنا تقدم واشنطن نفسها بأنها ما زالت الضامن الأكبر عالمياً لمرور الطاقة، وهو دور عالمي ارتبط تقليدياً بالسياسة الأمريكية.
وعند جمع خيوط هذه المقالة، يغدو من الضروري التمييز بين التحليل السياسي القائم على الوقائع، وبين التفسيرات التأويلية التي تعكس قراءات أيديولوجية أو افتراضية. وفي هذا الإطار، يمكن فهم بعض الأطروحات التي تُدرج ضمن «منظور المؤامرة» باعتبارها انعكاساً كبيراً لتشابك المصالح البراجماتية بين القوى الفاعلة والمصالح المتضاربة بين الدول. وهو ما يجعل من المقاربة الواقعية في العلاقات الدولية أداة تفسيرية أكثر قدرة على استيعاب هذا التعقيد، إذ تنطلق من فرضية أن ما يبدو غامضاً أو سرياً في المشهد السياسي والأمني والاقتصادي في الخليج والشرق الأوسط، قد يكون في الواقع امتداداً مباشراً لمنطق القوة وتوازن المصالح والانقسامات الإقليمية.
ومن هذا المنظور، يمكن استحضار مقاربة زبغنيو بريجنسكي، التي شبّه فيها العلاقات الدولية بلعبة «الشطرنج الجيوسياسي»، حيث تتحرك الدول ضمن حسابات دقيقة من النفوذ والاحتواء وإعادة التموضع، وهو ما يفسر أحياناً إعادة قراءة بعض السياسات باعتبارها ذات طابع مؤامراتي، رغم أنها تنبع في جوهرها من منطق استراتيجي براغماتي تراكمي أكثر منه تخطيطاً سرياً مغلقاً.
وفي ضوء ذلك، ومع تزايد مؤشرات الاستقطاب الإقليمي وإدارة الصراع عبر أدوات الردع والاقتصاد والتحالفات وميزان القوة العسكرية، يمكن القول إن المنطقة قد تتجه نحو صيغة جديدة من التوازنات تُعرف بـ«الحرب الباردة الشرق أوسطية» المتوقعة، وهي حالة لا تُنهي الصراع بقدر ما تعيد تشكيله ضمن أطر أكثر تعقيداً واستمرارية.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة