تحل السنة الهجرية الجديدة وهي تحمل سؤالًا يتجدد في كل عصر: كيف ينتقل الإنسان من حال إلى حال أرقى؟ وكيف تغادر المجتمعات أسباب التعطل إلى شروط العمران؟
فالهجرة في الوعي الإسلامي ليست ذكرى زمنية محصورة في أول التقويم، بل معنى مؤسس لحركة الإصلاح حين تتحول من واقعة تاريخية إلى طاقة أخلاقية وحضارية.
وقد ارتبطت الهجرة في بعض المدونات الفقهية القديمة بتقسيمات جغرافية نشأت في عالم مختلف، كدار الإسلام ودار الحرب ودار العهد. وكانت تلك التقسيمات أدوات اجتهادية لفهم واقع سياسي تحكمه الغلبة، وتضعف فيه المواثيق الجامعة، وتضطرب فيه علاقات الأمن والولاء. غير أن الاجتهاد لا يجمد على صورة إذا تغير مناطها، ولا يحمل الواقع الجديد على خرائط فقدت وظيفتها العملية.
لقد دخل العالم زمن الدولة الوطنية، والمعاهدات الدولية، ومنظومة الأمم المتحدة، والاعتراف المتبادل بين السيادات. ومن ثم لم تعد الجغرافيا القديمة كافية لتفسير موقع المسلم في العالم. فقد انتقلت البشرية، من حيث الأصل القانوني والأخلاقي، إلى دار أوسع: دار التعارف؛ حيث تقوم العلاقة بين الشعوب على السلم والتعاون وتبادل المصالح، لا على التنافي والاحتراب.
ومن هذا الأفق يصبح معنى الهجرة اليوم انتقالًا من السلوك الذي يفسد العمران إلى السلوك الذي يصونه. هي هجرة الكراهية إلى المحبة، والفوضى إلى النظام، والتعصب إلى الاعتدال، والفساد إلى النزاهة، والخصومة إلى الوئام الوطني، واللامبالاة إلى المسؤولية. وهي هجرة المجتمعات من ثقافة الشكوى إلى ثقافة الإنجاز، ومن صناعة الأزمات إلى صناعة الحلول، ومن الخطاب الذي يبدد الثقة إلى الخطاب الذي يبني السلم.
وتحتاج المجتمعات المسلمة اليوم إلى هجرة حضارية تلتحق بها بدرب التقدم والرخاء؛ هجرة نحو العلم والعمل، ونحو الإتقان والإبداع، ونحو الاستثمار في الإنسان، ونحو بناء مؤسسات قادرة على تحويل القيم إلى سياسات، والمقاصد إلى برامج، والطموحات إلى منجزات.
وفي قلب هذه الهجرة تقف الدولة الوطنية بوصفها الإطار الجامع الذي تنتظم فيه المواطنة، وتصان فيه الحقوق، وتؤدى فيه الواجبات، وتدار فيه المصالح العامة بمنطق القانون والمؤسسات. فالدولة الوطنية ليست قطيعة مع المعنى الديني، بل مجال لتنزيل مقاصده الكبرى في حفظ الإنسان، وصيانة الكرامة، ورعاية السلم العام، وحماية التعدد من أن يتحول إلى تنازع.
إن رأس السنة الهجرية مناسبة لمراجعة السؤال الأعمق: ماذا نهاجر منه اليوم؟ نهاجر من رداءة الخطاب، ومن تديين الخصومات، ومن فوضى السلوك، ومن كل عادة تعطل بناء الإنسان والأوطان. ونهاجر إلى الأمن، والسلم، والمحبة، والمواطنة الصالحة، والوعي بالدولة، وروح التعارف التي تجعل الإنسان شريكًا في عمارة الأرض.
فالمهاجر في زمننا هو من هجر السوء واجتنبه، وغادر أسباب التراجع، والتحق بمسار البناء والإصلاح. تلك هي الهجرة التي لا تنتهي بانتهاء طريق؛ لأنها انتقال دائم من حال إلى حال، ومن ضعف إلى قدرة، ومن ضيق التعطل إلى سعة العمران.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة