عاجلًا أم آجلًا، ستنتهي المعركة التي اشتعلت فجأة في المنطقة، وتُطوى الخرائط العسكرية، وتتوقف عملياتها الحربية، وتُخفض الأصوات، وتصمت البنادق، وتخرج الرؤوس من الخنادق.
هكذا تنتهي الحروب دائمًا، لكن آثارها لا تنتهي معها، حيث يبرز السؤال الحقيقي بعد الصمت: كيف سيبدو شكل المنطقة؟ أكثر من السؤال التقليدي: من انتصر ومن خسر؟ وهنا، ستعيد الذاكرة السياسية كتابة فصولها من جديد فصلًا بعد آخر.
بالنظر إلى طبيعة سلوك الطرفين المتحاربين، سيجير كل منهما الانتصار باتجاهه، وسيعدد الأدلة والشواهد على ذلك، وسيصدق كل جمهور فريقه، وسيصفق كل فريق لبطله.
لن نعرف شكل التحالفات بدقة، ولا من سيقف مع من، ولا كيف ستُعاد صياغة العلاقات بعد هذا الاشتباك المعقد.
يبدو كل شيء بعيدًا عن اليقين والقطعية والوضوح، حيث تطغى الضبابية القاتمة على المشهد، لكن المؤكد الأوحد أن ما بعد 28 فبراير 2026 لن يشبه ما قبله، فبمجرد إطلاق الصواريخ الأولى على دول الخليج وعلى الإمارات تحديدًا، تغيرت أشياء كثيرة لن تعود كما كانت، فالزمن لا يرجع، والسياسة لا تنسى.
في الحروب والمعارك يظهر مصطلح ملازم أفرزته القراءات الاستراتيجية، وهو مصطلح اليوم التالي، ويعني شكل المنطقة وترتيباتها والوضع العام بتفاصيله في أول يوم بعد أن تضع الحرب أوزارها، حيث تردد هذا المصطلح كثيرًا بعد حرب غزة الأخيرة، والتي إلى الآن لا يعرف أحد كيف سيكون شكل اليوم التالي فيها، فما هو شكل اليوم التالي لدينا في المنطقة، ومتى سيأتي؟
في العلاقات الدولية، القاعدة الأولى معروفة: لا صديق دائم، ولا عدو دائم، بل مصالح دائمة، أما القاعدة الثانية، كما يقال، ألا ننسى الأولى، وما يحدث اليوم يبدو وكأنه تطبيق حي لهذه القاعدة، لكن هذه المرة بتكلفة استراتيجية مرتفعة.
قد تغير الحروب شكل الجغرافيا والحدود أحيانًا، لكنها دائمًا تغير المفاهيم، والإمارات، كما فعلت دائمًا، لن تتوقف عند لحظة الأزمة، بل ستقرأها بتجرد وحكمة، وتصيغ مفهومها الخاص، لأن الدول التي تفهم الأزمات تقوم ببناء خياراتها على ضوئها، وتعيد إنتاج نجاحها، وهذا ما تجيده الإمارات بكل اقتدار.
الجميع الآن يتحدث عن (اليوم التالي)، ولكل منهم رؤيته وقراءته الخاصة لذلك، لكن ربما يكون هناك اختلاف جوهري بين الإمارات وغيرها عندما يتعلق الأمر بذلك، حيث يأتي التفكير في اليوم التالي بعد انتهاء الحرب في كثير من الدول، أما في الإمارات، فيبدأ التفكير فيه قبل أن تبدأ الأزمة نفسها.
لا أقول ذلك كإماراتي متشبع برؤية قيادته، ويبالغ في تقديرها، بل هو توصيف منطقي لجوهر الفلسفة التي قامت عليها الدولة منذ تأسيسها، بل حتى قبل ذلك، فمن يعتقد أن هذه هي أول معركة تخوضها الإمارات مخطئ، فالإمارات في معركة مستمرة مع جميع تحديات الحياة، بداية من معركة قيام الاتحاد وما صاحب ذلك من تحديات جرى تناولها في مقالة سابقة تحت عنوان (روح الإمارات)، ومرورًا بتحدي المحافظة على الاستقرار وتعزيز النمو ودعم الازدهار في هذه المنطقة المضطربة من العالم، وحتى تحديات وتداعيات الحرب الأخيرة في المنطقة، وما سيأتي من تحديات قادمة.
تظهر هنا فلسفة الإمارات تجاه التحديات كقاعدة عامة وتامة، بأن اليوم التالي يجب أن يكون أفضل من اليوم الذي سبقه في أي حال من الأحوال، ومهما كانت الظروف والمتغيرات، تمامًا كما قررت الدولة أن تكون ما عليه هي الآن، فلم يكن معيار نجاحها مقارنتها بأن تصبح أفضل من هذه الدولة أو تلك، بل كان معيارها الخاص أن تكون الإمارات اليوم أفضل من الإمارات بالأمس، وأن تصبح الإمارات غدًا أفضل منها اليوم.
فالدولة التي نجحت في تحويل الصحراء إلى واحدة من أكثر التجارب التنموية نجاحًا في العالم، لم تصل إلى ذلك بردود الأفعال، بل بالاستعداد المسبق، وقراءة المستقبل قبل أن يصبح حاضرًا، والدولة التي وصلت إلى أقصى الشرق والغرب وربطت محاور الأرض بأذرعها اللوجستية العابرة للقارات، وأصبحت رقمًا صعبًا ومميزًا في المعادلات الدولية، لم تنجح دون عقل استراتيجي وبصيرة حكيمة متقدمة للأمور، ولهذا، لم يكن مستغربًا أن تعلن الإمارات عن اليوم التالي وهي لا تزال في قلب المعركة.
عندما أطلق الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في منتصف المعركة، وأصوات اعتراضات الصواريخ تدوي في سماء الوطن، جملته التاريخية: "بنظهر أقوى"، لم يكن يتحدث عن نهاية الحرب، بل عما يليها، ولم يكن يصف واقعًا قائمًا للمعركة حينها، بل كان يرسم اتجاهًا استراتيجيًا لما بعدها.
وسرعان ما انضمت هذه الجملة إلى كلماته التاريخية التي خرجت أمام منعطفات كبرى للوطن مثل (البيت متوحد) إبان أحداث ما يسمى بالربيع العربي، و(لا تشلون هم) في ذروة اجتياح جائحة (كورونا) العالم، حيث أوفى القائد بعهده وأنجز وعده، وحمى وطنه وشعبه، وتجاوزت الإمارات تلك المنعطفات بكل نجاح واقتدار، وأصبحت أكثر قوة ونجاحًا مما كانت عليه قبلها.
فالقيادات الكبرى لا تنتظر نهاية الأحداث لتحدد وجهتها، بل تحدد وجهتها أولًا ثم تدير الأحداث على أساسها، ومن يعرف تجربة الإمارات خلال العقود الماضية، يدرك أن هذه العبارة لم تكن شعارًا معنويًا يرفع في أوقات الأزمات، بل كانت تلخيصًا لطريقة تفكير كاملة.
الإمارات دولة اعتادت أن تنظر إلى كل تحد باعتباره فرصة لإعادة البناء بشكل أفضل، فبعد كل أزمة اقتصادية خرج اقتصادها أكثر تنوعًا، وبعد كل تحول عالمي خرجت أكثر انفتاحًا، وبعد كل تحد إقليمي خرجت أكثر قدرة على حماية مصالحها وصناعة خياراتها.
ولهذا، فإن اليوم التالي في الإمارات لا يبدأ عندما تتوقف الحرب، بل يبدأ في اللحظة التي تبدأ فيها الدولة بطرح السؤال الأهم: ماذا بعد؟ ماذا بعد الصاروخ؟ ماذا بعد الأزمة؟ ماذا بعد المتغيرات الجديدة؟
تمامًا كما تساءل العقل الاستراتيجي للدولة عند تحديده للتهديدات قبل اقتناء الصواريخ المضادة وأنظمة الدفاع والردع: ماذا لو اعتدى العدو علينا بصواريخ بالستية؟ وكيف سنرد؟
هنا تحديدًا يكمن سر التجربة الإماراتية، فهي لا تبني خططها على سيناريو واحد، ولا تراهن على احتمال واحد، ولا ترهن مستقبلها بنتيجة واحدة، بل تبني خياراتها على تعدد المسارات، وتستعد لمختلف الاحتمالات والسيناريوهات، وتحتفظ دائمًا بهامش واسع ومرن للحركة والتكيف.
لربما سيختلف شكل المنطقة بعد الحرب، وقد تتغير التحالفات، وقد تتبدل الموازين، وقد تظهر تهديدات جديدة وفرص جديدة، لكن ما يصعب تغييره هو قدرة الإمارات على التكيف مع المتغيرات وتحويلها إلى فرص ناجحة.
وبنظرة إلى التاريخ القريب للدولة سنجده يخبرنا أن كل مرحلة كانت تبدو للغير تحديًا، تحولت لاحقًا إلى نقطة انطلاق قوية جديدة للنجاح، وهنا ربما لا يكون السؤال الحقيقي: كيف سيكون اليوم التالي للإمارات؟ بل كيف ستستثمر الإمارات اليوم التالي لصناعة ما بعده؟
قد يكون أهم ما ستخرج به الإمارات من هذه الأزمة هو تعزيز قناعة راسخة لديها أصلًا: أن أفضل وسيلة لحماية المستقبل أو للحماية منه هي صناعته، فمنذ سنوات طويلة، لم تنتظر الدولة ما ستؤول إليه أسعار النفط، بل بدأت الاستعداد لما بعده، ولم تنتظر وصول ثورة الذكاء الاصطناعي إلى المنطقة، بل ذهبت إليه مع أول لوغاريتم تمت صياغته، ولم تنتظر تحول موازين القوى العالمية، بل عملت على تنويع شراكاتها وتوسيع خياراتها، وهذا ما أجادت الإمارات صنعه طوال نصف قرن، وهو على الأرجح ما ستفعله مرة أخرى من توسيع الشراكات وتسريع التحول الاقتصادي وبناء قدرات جديدة لم تكن موجودة من قبل.
بنهاية الأمر، وعندما تُطوى هذه الصفحة من تاريخ المنطقة، ربما يختلف الناس حول من انهزم ومن انتصر، ومن أصاب ومن أخطأ، ومن ربح ومن خسر، لكن حقيقة واحدة ستبدو جلية أمام الجميع: أن الإمارات، كما وعد قائدها، لم تكن تستعد لنهاية الحرب فقط، بل كانت تستعد منذ البداية لأن تخرج منها أقوى، وأن قرار اليوم التالي في الإمارات قد تم اختياره واتخاذه قبل أن يبدأ اليوم الأول من المعركة.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة