«تكتيك البرق» واجتماع الصحراء.. خبايا «السبت الأسود» في مالي
حين اخترقت سيارة مفخخة الحاجز الأمني لمدينة كاتي بمالي، لم يكن ليدور بذهن أحد أن هجمات ستضرب بالتزامن مدنا أخرى في البلد الأفريقي.
فالمتعارف عليه أن للجيش جواسيس داخل المجموعات المسلحة نفسها، ما يعني أنه في حال كان هناك مخطط للهجوم، فالمؤكد أنه من المفترض أن يكون لديه الحد الأدنى من المعطيات والتسريبات.
لكن ما حدث يوم السبت 25 أبريل/نيسان الماضي، كان أشبه بضربة خاطفة ومتزامنة نفذها إرهابيون من تنظيم القاعدة ومسلحون من «جبهة تحرير أزواد» (انفصاليون طوارق).
وبعكس ما حدث في 2012 حين استولت تنظيمات متشددة وانفصاليون على مدن رئيسية في شمالي مالي، بدت الهجمات الأخيرة منسقة بشكل أكبر، وبدا من الواضح أن استعدادات كبيرة سبقتها، والأهم أنها كانت محاطة بسرية مطلقة منعت تسريب أي تحرك للجيش.
«أشهر من التحضير»
في ذلك اليوم، حاصر مسلحو «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» الموالية للقاعدة في مالي، و«جبهة تحرير أزواد» الانفصالية، 6 مدن في وقت واحد، كما قتل وزير الدفاع ساديو كامارا في التفجير الانتحاري بمدينة كاتي الواقعة على بعد 15 كيلومتر من العاصمة باماكو.
وبحسب مجلة «جون أفريك»، يكمن وراء ذلك الهجوم غير المسبوق تحالف بين الجماعة الإرهابية والجبهة الانفصالية، واستراتيجية وُضعت في سرية تامة.
وخلال 14 عاما من الأزمة، لم تشهد مالي هجوما بهذا الحجم، ففي فجر ذلك السبت، تعرضت 6 مدن في وقت واحد لهجمات متزامنة، على امتداد خط جبهة جديد بطول 1200 كيلومتر، يمتد من كيدال شمالا إلى باماكو العاصمة غربا.
وفي غضون ساعات قليلة، اقتحمت قوافل من الشاحنات الصغيرة والدراجات النارية لمواقع الجيش.
وفي رده عن سؤال حول ما سبق الهجوم، اكتفى محمد المولود رمضان، المتحدث باسم «جبهة تحرير أزواد» بالقول إن الأمر تطلب «أشهرا من التحضير».
وأضاف رمضان، في تصريح للمجلة، أنه تم حشد «آلاف المقاتلين»، دون تقديم مزيد من التفاصيل.
سرية مطلقة
بينما تقول القوات الروسية التابعة لـ«فيلق أفريقيا» الروسي إنها واجهت 12 ألف مهاجم، يشير مصدر مطلع على هذه التحركات، طلب عدم الكشف عن هويته للمجلة، إلى أنه «من المرجح أن الجماعتين المسلحتين نفسيهما لم تكونا على دراية دقيقة بعدد رجالهما المشاركين في المعركة».
ووفقًا لهذا الخبير، فإن الجماعتين «لم تُبلغا سوى دائرة ضيقة جدا من الأشخاص خلال مرحلة التحضير بأكملها» حفاظا على السرية.
وأكد: «لم يُبلغ بعض الضباط بوجهتهم وهدفهم إلا عند ركوبهم مركباتهم»، وقد مكنتهم هذه الاستراتيجية من تجنب لفت انتباه أجهزة المخابرات المالية، التي لديها مخبرون داخل الجماعات المسلحة.
وبالأيام التي سبقت «السبت الأسود»، انتشرت شائعات عن استعدادات لهجوم واسع النطاق، لا سيما على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن السلطات المالية استبعدت تلك الشائعات.
ولذلك، لم يرَ وزير الدفاع ضرورة لتغيير روتينه، ونام كعادته في منزله في كاتي مع عائلته، لكنه قتل في صباح اليوم التالي عندما انهار منزله إثر انفجار سيارة مفخخة يقودها مراهق، عضو في «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين».
«تكتيك البرق»
بحسب «جون أفريك»، يكشف عمق الضربة وتعقيد العملية عن تحول في طبيعة واستراتيجية هذه الحرب غير المتكافئة.
فبعد أن اعتادت «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» و«جبهة تحرير أزواد»، منذ عام ٢٠١٢، شن هجمات مفاجئة على معسكرات معزولة، ونصب الكمائن بالعبوات الناسفة، ومضايقة المناطق النائية، استهدفتا لأول مرة مراكز حضرية رئيسية.
ولتحقيق ذلك، اعتمد المسلحون تكتيك الحرب الخاطفة، وهي «حرب البرق» التي طورتها ألمانيا النازية في ثلاثينيات القرن العشرين للتقدم نحو قلب أوروبا، والتي تعتمد على قوات منسقة، وضربات متزامنة، واستهداف قيادة العدو، وتأثير السرعة والمباغتة.
ومع ذلك، تقول المجلة إن المهاجمين يفتقرون إلى التفوق المادي، ففي مواجهة المركبات المدرعة للجيش ومروحيات «فيلق أفريقيا»، أعطوا الأولوية لسرعة حركة وحداتهم وراقبوا تحركات العدو باستخدام طائرات بدون طيار رباعية المراوح.
وتتشارك الجماعتان المسلحتان مصالح مشتركة، ويلخص باحث متخصص في هذه الحركات، فضل عدم الكشف عن هويته، قائلا: «تسعى كل منهما إلى اكتساب شرعية متبادلة».
ويوضح أن «جبهة تحرير أزواد تحتاج إلى قوة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لتعزيز مصداقيتها العسكرية على الأرض»، فيما يحتاج الفصيل الإرهابي إلى الجبهة من أجل أي حوار سياسي محتمل مع الجهات الفاعلة الدولية».
اجتماع الصحراء
تشير المجلة إلى أن ملامح التحالف بين الجماعتين بدأ يتشكل منذ أكثر من عام، حين عُقد اجتماع في 29 مارس/آذار 2025 في صحراء مالي، حضره قادة كلا الطرفين.
ورغم اختلاف الأهداف السياسية والدينية، حيث تسعى الجبهة لنيل حق تقرير المصير والاعتراف بدولة أزواد في شمال مالي، بينما يستهدف الفصيل الإرهابي إنشاء خلافة إقليمية وتطبيق تفسيرها للشريعة الإسلامية، فقد قرر الكيانان توحيد قواهما.
لكن هل أدى هذا التقارب الأولي إلى اتفاق بين الجانبين، بما في ذلك تحديد آليات ونطاق تطبيق الشريعة الإسلامية في منطقة مشتركة؟
يؤكد المولود رمضان في رده على ذلك: «لم نوقع اتفاقا رسميا مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، لكنه أضاف: «نحن ملزمون بإيجاد أرضية مشتركة للمضي قدمًا معا، وتجنب الحوادث، ومواجهة عدو يستهدفنا عشوائيا ويسعى إلى تدميرنا».