السياحة الأمريكية بلا جاذبية.. مأزق سياسات ترامب
اعتبر تحليل نشرته مجلة «فورين بوليسي» إن جاذبية وسحر الولايات المتحدة كمقصد للسياح والمهاجرين تراجعت بالفعل مؤخراً.
وقال التحليل إن استطلاعات أظهرت الواحدة تلو الأخرى أن شعبية الولايات المتحدة الدولية تراجعت بشكل مطّرد خلال السنوات الأخيرة. ويبدو الآن أن هذا الاتجاه يتسارع خلال الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ووفقا للتحليل، تميل النخب الأمريكية كثيرة الجدل إلى مناقشة مخاطر تدهور صورة البلاد من زاوية الجغرافيا السياسية وتراجع “القوة الناعمة” -وهم ليسوا مخطئين، لكن تراجع الجاذبية يمكن قياسه أيضًا بالدولارات. فقد كانت صناعة السياحة الأمريكية، التي شهدت انتعاشًا قويًا عقب جائحة كوفيد-19، تأمل أن يكون عام 2025 عامًا استثنائيًا. لكن العام تحول بدلًا من ذلك إلى كارثة لأسباب لا يُرجح أن تختفي قريبًا. وهذا بدوره يحمل تداعيات مقلقة على الحضور الأجنبي في كأس العالم لكرة القدم هذا العام، الذي يُسوَّق له باعتباره أحد أكبر التجمعات الدولية في الذاكرة الحديثة. فالحجوزات بالفعل أقل من التوقعات، والعاملون في القطاع يخشون من احتمال “إخفاق كامل”.
انخفاض عدد الزوار الدوليين
ونتيجة لذلك، أصبحت الولايات المتحدة الوجهة الكبرى الوحيدة التي سجلت انخفاضًا في عدد الزوار الدوليين خلال عام 2025، وفقًا لتقرير صادر عن الجناح الديمقراطي في اللجنة الاقتصادية المشتركة التابعة للكونغرس الأمريكي.
كما شهد العام الماضي أول عجز تجاري في قطاع السفر الأمريكي -أي أن الأمريكيين أنفقوا أموالًا في الخارج أكثر مما أنفقه الزوار الأجانب داخل الولايات المتحدة- منذ بدء جمع بيانات القطاع عام 1999.
وأشار المجلس العالمي للسفر والسياحة إلى أن عدد الزوار الدوليين إلى الولايات المتحدة في عام 2025 انخفض بنسبة 5.5% مقارنة بالعام السابق، ما ترجم إلى تراجع بنسبة 4.6% في إنفاق الزوار. ويبدو هذا الانخفاض -الذي يقترب من 9 مليارات دولار- قاتمًا بشكل خاص مقارنة بازدهار قطاع السياحة العالمي، حيث ارتفع الإنفاق بنسبة 6.7% خلال الفترة نفسها ووصل إلى مستوى قياسي تاريخي. والسبب بسيط، بحسب التحليل، حيث أن ملايين الزوار الذين كان من الممكن أن يتوجهوا إلى الولايات المتحدة اختاروا الذهاب إلى أماكن أخرى.
الأسباب
كما أن حديثه عن تحويل كندا إلى الولاية الأمريكية الحادية والخمسين دفع إلى ظهور حركة مقاطعة شمال الحدود، ما أدى إلى تراجع حاد في زيارات السياح الكنديين -بنسبة قاسية بلغت 22%، وهي الأعلى بين جميع الدول.
وكان غيابهم محسوسًا بشدة خصوصًا في لاس فيغاس، التي طالما اعتبرت كندا من أكثر أسواقها استقرارًا واعتمادية. وقد تراجعت أرقام السياحة في المدينة بنسبة 7.5% في 2025، ما دفع بعض السكان المحليين إلى الحديث عن “ركود ترامب”.
وبالمثل، شعر الأوروبيون بالنفور بسبب تهديدات ترامب تجاه غرينلاند، وسيل الإهانات الموجهة إلى عدة دول أوروبية، وطريقته المتعالية في التعامل مع أوكرانيا.
كما أن تدخل إدارة ترامب في الانتخابات الأوروبية دعمًا للأحزاب الشعبوية اليمينية أظهر واشنطن بصورة سلبية. فقد انخفض عدد الزوار الألمان بنحو 13%، والفرنسيين بنحو 8% العام الماضي.
حرب على السياح
وقد علّقت وزارة الخارجية الأمريكية إلى أجل غير مسمى تأشيرات السياحة لمواطني 39 دولة، بينها أربع دول تأهلت منتخباتها إلى كأس العالم: هايتي، وإيران، وساحل العاج، والسنغال.
كما أمرت المسؤولين القنصليين بفرض شروط أكثر صرامة على طالبي التأشيرات السياحية، بما في ذلك المقابلات الشخصية والتدقيق في منشورات وسائل التواصل الاجتماعي -وهي سياسات خلقت، على الأرجح عن قصد، تراكمات هائلة في طلبات التأشيرة.
ومع أن غالبية السياح لا يحتاجون إلى تأشيرات، فإن كثيرين يشعرون بالنفور بسبب الروايات المتزايدة عن التشديد عند الحدود، خاصة التحقيقات المتطفلة في حسابات التواصل الاجتماعي.
وقد ولّدت هذه الإجراءات موجات من الدعاية السلبية حتى في الدول غير المتأثرة مباشرة، ما عزز صورة “أمريكا الحصن” غير المرحّبة بالغرباء.
كما عززت الإدارة هذه الرسالة عبر رفع تكاليف السفر على الأجانب. فقد فرضت رسومًا إضافية بقيمة 100 دولار على الزوار الدوليين لـ11 من أشهر المتنزهات الوطنية، كما رفعت أكثر من ثلاثة أضعاف سعر بطاقة الدخول السنوية لغير المقيمين لتصل إلى 250 دولارًا، بينما بقيت 80 دولارًا للأمريكيين.
وفي مارس/آذار، بدأت الحكومة الأمريكية فرض “رسوم نزاهة التأشيرة” بقيمة إضافية تبلغ 250 دولارًا على تأشيرات السياحة العادية، لترتفع التكلفة الإجمالية من 185 إلى 435 دولارًا.
ورغم أن هذه الرسوم الإضافية لم تُطبق بعد فعليًا، فإن المسافرين المحتملين قد لا يشعرون بالاطمئنان حيال ذلك.
مخاوف قبل "كأس العالم"
ويخشى قطاع السياحة بالفعل أن يؤدي الارتباك بشأن سريان الرسوم الجديدة إلى ردع زوار كأس العالم حتى لو لم يضطروا إلى دفعها. كما أن التحذيرات من ارتفاع تكاليف التأشيرات تغذي الانطباع الراسخ أصلًا بأن إدارة ترامب مصممة على إبقاء الأجانب خارج البلاد.
وقالت ليزا سيمون، الرئيسة التنفيذية والمديرة التنفيذية لجمعية السفر الدولي الوافد، خلال شهادة أمام الكونغرس مؤخرًا إن التأثير التراكمي لقيود الإدارة خلق “شعورًا بعدم الترحيب”. ويبدو أن وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) مصممة على ترسيخ هذا الشعور، عبر المعاملة المروعة التي تعرض لها البعض على يد سلطات الهجرة الأمريكية.
لكن أصحاب الفنادق الذين يواجهون تراجع الحجوزات، وشركات الطيران التي أُجبرت على إلغاء رحلات، والطهاة وموظفي الاستقبال والعاملين في الخدمات الذين فقدوا وظائفهم بسبب تراجع السياحة الدولية، لديهم بلا شك رأي مختلف.
وتقدم قصة تراجع السياحة تذكيرًا إضافيًا بأن الاقتصاد الأمريكي لا يعمل بمعزل عن بقية العالم، وأن محاولة بناء الحواجز غالبًا ما تخلق مشكلات أكثر مما تحل.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، أعلنت “أكاديمية الإدارة”، وهي رابطة دولية لأساتذة كليات إدارة الأعمال، إلغاء مؤتمرها المقرر في سياتل عام 2027 ونقل اجتماعاتها المستقبلية إلى الخارج في المستقبل المنظور. وقال أحد أعضائها لصحيفة "فايننشال تايمز" إن الأعضاء الكنديين والأوروبيين يشعرون بالقلق بشأن “قضايا الهجرة”.
وتتعدد الأسباب. فقد أدت الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب ولغته التصادمية بشأن التجارة إلى تنفير مواطني دول كثيرة كانت تعتبر نفسها صديقة للولايات المتحدة.
ومع ذلك، فربما لا تكون السياسة العامل الأساسي في حسابات السياح المحتملين. فهناك عامل أكثر مباشرة يتمثل في حرب ترامب ضد السياح أنفسهم. إذ يبدو أن إدارة ترامب تنظر إلى الزوار الدوليين ليس كمصدر محتمل للإيرادات، بل كمهاجرين متخفين يسعون لاستغلال أي ثغرة في القوانين الأمريكية.