سياسة

صراعات الهوية فى العالم العربى

الخميس 2016.6.23 09:59 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 128قراءة
  • 0 تعليق
السيد يسين

ما عرضناه فى سلسلة المقالات السابقة عن تعريفات الهوية وأنماطها المتعددة وبعض المشكلات التى تثيرها يعبر فى الواقع عن بحث موضوع الهوية بكل ما يتضمنه من مشكلات وتعقيدات, من وضع التوازن إلى وضع الصراع الدموى.

ونقصد بوضع التوازن الاعتراف بأن هناك أوضاعا اجتماعية معرفية ومذهبية ودينية متطرقة قد تظل كامنة فى بنية المجتمع والثقافة، وقد تثير بعض المصادمات من حين لآخر.

غير أنها فى لحظة تاريخية ما ولأسباب متعددة قد تؤدى إلى الانتقال الخاطف المفاجئ من وضع التوازن إلى وضع الصراع الدموى بين أطراف متعددة. 

وهذه اللحظة التاريخية الفارقة هى اندلاع ما أطلق عليه «ثورات» الربيع العربى التى اشتعلت فى تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، وما أدت إليه من انفجار صراع الهويات بصورة غير مسبوقة, مما أدى إلى سقوط مئات الألوف من القتلى وهجرة ملايين المواطنين من بلادهم الأصلية إلى أوروبا هروبا من الجحيم المشتعل.

وقد تكون سوريا على وجه الخصوص نموذجا لصراع الهويات الدموى, حيث فاقمت منه معارك الدول العظمى ومنافساتها العميقة على النفوذ السياسى. 

وإذ أردنا أن نوصف حالة الهويات المتصارعة فى حالة التوازن فيمكن لنا أن نبدأ بالصراع الأساسى بين الدولة العربية الناشئة -وخصوصا فى عصر الاستقلال الوطنى فى الخمسينيات- وبين القبيلة.

ومن المعروف أن بعض البلاد العربية يقوم تنظيمها الاجتماعى أساسا على القبيلة حيث يعرف الفرد بانتمائه إلى قبيلة ما. قد تكون هذه القبيلة فائقة القوة وبالتالى يستمد الفرد المنتمى لها نفوذه العائلى والاجتماعى والسياسى من قبيلته، وقد تكون القبيلة ضعيفة ولذلك هى قد تتوارى وراء قبيلة قوية لكى تحميها من العدوان أيا كان نوعه. 

وهناك بعض البلاد العربية يمكن اعتبارها قبلية أساسا وفى مقدمتها ليبيا واليمن والسودان.

بعبارة أخرى لا يمكن للباحث الاجتماعى أو العالم السياسى أن يفهم طبيعة هذه المجتمعات إلا إذا بحث الموضوع أولا أنثروبولوجيا، بمعنى الدراسة المنهجية للقبائل المتعددة فى المجتمع ونمط تراتبها الاجتماعى ونفوذها السياسى. 

وقد حاولت ليبيا فى بداية عهد الاستقلال تجاوز الوضع القبلى السائد وإنشاء دولة حديثة تعلو على مصالح القبائل المتنافسة, لكى تصوغ نمطا حديثا من المواطنة يربط الفرد بوطنه فى المقام الأول، وليس بالقبيلة التى ينتمى إليها. غير أن هذه العملية التاريخية المهمة توقفت للأسف الشديد بقيام الثورة التى قادها «معمر القذافى» والذى- فى سبيل توطيد نظام حكمه الديكتاتورى- ألغى كل مؤسسات الدولة الليبية الناشئة, سواء كانت مؤسسات سياسية أو قضائية أو إدارية، وأنشأ مجموعات من الفوضويين أطلق عليها «اللجان الشعبية» لإرهاب خصومه، وقمع كل الأصوات السياسية المعارضة, ليس ذلك فحسب بل إنه أحيا القبيلة من جديد التى حاولت الدولة السنوسية تحييدها بترسيخ مبدأ المواطنة. 

وهكذا حين قامت «الثورة» فى ليبيا -بدعم مباشر من حلف الناتو ودولة قطر- تم إسقاط الدولة والتى وإن كانت دولة هشة إلا أنها كانت أفضل من حركة انبعاث القبيلة من جديد, حيث بدأ الصراع بين القبائل، وحاولت كل قبيلة أن تكون هى المسيطرة على موارد البلاد وبالتالى تصبح مطلقة النفوذ السياسى. 

ويصبح السؤال الملح ماذا بعد إسقاط الدولة الهشة فى ليبيا، وهل فى الإمكان الخلاص النهائى من صراع القبائل أم أن الفوضى القبائلية ستكون هى الحاكمة؟ 

ونفس الأوضاع تقريبا نجدها فى «اليمن» والتى هى بلد قبلى بامتياز، وقد حاول عدد من ضباط الجيش أبرزهم «عبد الله صالح» الحكم بيد من حديد, واستطاع لسنوات طويلة القضاء النسبى على النفوذ القبلى السياسى إلا أن رياح الثورة التى هبت على اليمن أسقطت النظام الديكتاتورى، وفتحت أبواب الصراع مرة أخرى بين القبائل والذى تحول إلى صراع عقائدى بين «الحوثيين» وخصومهم, مما دفع بقوى عربية أخرى للتدخل عسكريا لحسم الصراع العقائدى بين الحوثيين الذين ينتمون للشيعة, وأهل السنة، وهكذا اندفعت السعودية والإمارات العربية المتحدة للتدخل عسكريا فى اليمن مما زاد من تعقيد الموقف. 

الصراع بين القبيلة والدولة كان هو الصراع التقليدى فى مجال الهويات ولكن يكاد يكون أخطر منه الصراع بين الأعراق فى العالم العربى. وذلك لأنه يضم بالإضافة إلى العرب الخلص «الأكراد» وبالبربرب والذين لهم لغاتهم الخاصة وثقافتهم المتميزة وقد دار من قبل فى العراق صراع دام بين الأكراد وبين النظام السياسى العراقى السنى.

وقد حاول «صدام حسين» مواجهة الموقف المتفجر بمنح الأكراد الحكم الذاتى إلا أن التجربة فشلت. 

ولو نظرنا إلى المغرب والجزائر, حيث توجد قطاعات واسعة من «البربر» لغتها القومية هى «الأمازيغية» ,لوجدنا أن الدعوة إلى تقرير «الأمازيغية» كلغة تعليم نجحت فى إجبار الدولة المغربية على ذلك، وإن كانت هناك دعوات «أمازيغية متطرفة» تطالب بالحكم الذاتى. 

وإذا أضفنا إلى مشكلات القبلية وتنوع الأعراق الاختلافات المذهبية بين الشيعة والسنة لأدركنا أن تحول صراع الهوية من وضع التوازن إلى وضع الانفجار أصبح يهدد تكامل الدولة القومية.

وهكذا يمكن القول إن «العراق» مهدد بالتقسيم إلى ثلاث دول شيعية وسنية وكردية.

وهكذا بدل أن تصبح الهويات المتعددة فى المجتمع العربى مصدر إثراء الثقافة العربية أصبحت ساحة للصراع الدموى المكشوف. 

ويبقى لدينا فى صراع الهويات فى الوطن العربى أخطر صراع فى الوقت الراهن لأنه تجاوز حدود الوطن العربى ونفد إلى أعماق المجتمعات الأوروبية وإلى عمق المجتمع الأمريكى ذاته. 

وهذا الصراع الخطير بدأ تاريخيا بصياغة بعض التيارات الإسلامية المتطرفة وأبرزها «جماعة الإخوان المسلمين» التى أسسها «حسن البنا» عام 1928 صياغة هوية إسلامية متخيلة تقوم على عدة أسس. 

الأساس الأول رفض الديمقراطية الغربية على أساس أنها بدعة، والتركيز على «الشورى» باعتباره عمود النظام السياسى الإسلامى. 

والأساس الثانى هو المكون المعرفى الذى يطلق عليه «أسلمة المعرفة» أى الاستيلاء على المعرفة الغربية وصبغها بصيغة إسلامية. 

والأساس الثالث رفض النظرية الاقتصادية الغربية بزعم وجود ما أطلقت عليه الاقتصاد الإسلامى الذى يحرم الربا فى التعاملات. 

والأساس الرابع ثقافى يقوم على «ذهنية التحريم» من خلال فرض صور محددة للسلوك الاجتماعى، وهو ما أطلق عليه فى فترة حكم الإخوان فى مصر «أسلمة المجتمع» وإقامة دعاوى «الحسبة» على من يخالفون ما يعتقدون أنه من المحرمات.

غير أن أخطر ما فى تحول صراع الهويات من حالة التوازن إلى حالة الصراع هو اشتعال الحروب الأهلية فى مختلف أنحاء العالم العربى.

 

نقلا عن جريد "الأهرام"

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات