سياسة

البحرين في مواجهة «جمهورية الشر» ونفاق الغرب

الإثنين 2016.6.27 09:47 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 220قراءة
  • 0 تعليق
راشد العريمي

في الثامن من الشهر الجاري رفض مجلس الدولة الفرنسي طعوناً تقدم بها كل من رشيد آيت الحاج، وبشير غميد، وفؤاد شروالي، ورضوان أبربي، وهم من أصل مغربي، وأتيلاتورك، وهو من أصل تركي، في سحب جنسيتهم الفرنسية، ما يعني أيضاً ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية. وكان هؤلاء الخمسة دينوا بالانضمام إلى جماعات إرهابية، وثبت وجود صلات بينهم وبين مجموعة إرهابية نفذت اعتداءات في المغرب في أيار (مايو) 2003. وحُكم على الخمسة بالسجن مدداً تراوح بين ست وثماني سنوات في العام 2007. ولم تُفلح كل محاولات المحامين في زحزحة القضاء الفرنسي عن موقفه ضد من هددوا أمن فرنسا.

وفي الحادي والعشرين من الشهر نفسه، أي بعد أقل من أسبوعين، قال الناطق باسم وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية رومان نادال، إن بلاده «قلقة» بسبب القرار الذي اتخذته مملكة البحرين بسحب الجنسية من رجل الدين الشيعي عيسى أحمد قاسم الذي كرَّس موقعه الديني للتشجيع على العنف وإعلاء صوت الطائفية وهدد أمن مملكة البحرين وسلامتها بتوجيه من إيران!

والسؤال الآن هو: أليس «القلق» الفرنسي مثيراً للسخرية في وقت لم يجف حبر الأحكام الفرنسية بسحب الجنسية من خمسة مواطنين فرنسيين دفعة واحدة؟ ألا يخجل هؤلاء «القلقون» من النفاق السياسي الذي يمارسونه من دون أن يطرف لهم جفن؟ هذا مجرد نموذج واحد لما تواجهه دول الخليج العربية من هجوم غير مفهوم وغير مبرر من قوى غربية تحاول لعب دور الوصاية، في حين تحفل سجلاتها بالنقاط السوداء!

مملكة البحرين، مثلها مثل أي دولة تسعى إلى الحفاظ على أمن مواطنيها، ولها كامل الحق في ممارسة سيادتها بسحب الجنسية ممن اكتسبوها ثم نذروا أنفسهم لتهديد السلم والعبث بأمن الوطن والمواطنين، ودس الفرقة والوقيعة بينهم، وتشجيع الأفكار والجماعات المتطرفة، والتحريض على السلطات الشرعية، وعقد الصلات مع أجهزة استخبارات خارجية لا تكف عن نسج المؤامرات وتشكيل الخلايا السرية، ومحاولة اختراق المجتمع البحريني من خلال جمعيات وأحزاب ومنظمات تدين بولائها لهذه الأجهزة وليس للبحرين وشعبها وحكومتها. وعلى أولئك الذين يملون الدروس أن يعرفوا أنهم ليسوا في موقع يسمح لهم بتقديم النصائح، سواء جاءت من إيران صاحبة السجل الأسود في حقوق الإنسان، أو من أوروبا التي يجسد الموقف الفرنسي السالف ذكره نموذجاً لها، أو الولايات المتحدة التي تحتاج انتهاكاتها لحقوق الإنسان إلى مجلدات ضخمة لاستيعابها.

اختارت الولايات المتحدة في هذا الوقت تحديداً أن تُصدر وزارة خارجيتها تقريراً تزعم فيه أن «الجهود التي بذلتها البحرين لتحقيق المصالحة الوطنية، بعد سحق احتجاجات الشوارع في العام 2011 توقفت». وتغافلت واشنطن عن طبيعة هذه الاحتجاجات التي اعتمدت على العنف والإرهاب، وعن اكتشاف عدد هائل من المخططات التخريبية والخلايا المرتبطة بإيران مباشرة، وعن طبيعة مملكة البحرين والحقائق المتعلقة بالعدد القليل من السكان والمساحة الجغرافية الصغيرة، ما يجعل أي تحركات إرهابية تهديداً وجودياً لكيان المملكة ذاته، وخصوصاً في محيط جيو-استراتيجي ملتهب يُنذر بالتفجر في أي لحظة. ولذا، فإن إنهاء مثل هذا التهديد بحزم وبقوة أمر لا يقبل تردداً أو تهاوناً.

الغريب أن مثل هذه النصائح تأتي من الولايات المتحدة، حيث يدعو المرشح الرئاسي دونالد ترامب إلى «وقف كامل وكلي» لدخول المسلمين بلاده، ويقول إن «المسلمين يكرهون الأميركيين» ويشكلون خطراً على الولايات المتحدة. ولا تقتصر عنصرية ترامب على المسلمين، فهو يصف المكسيكيين بأنهم «مهربو المخدرات إلى الولايات المتحدة ومرتكبو جرائم الاغتصاب بالجملة فيها»، ويدعو إلى «إنشاء جدار عازل كبير على حدودنا الجنوبية، وإجبار المكسيك على تحمل نفقة إقامته». أما الأفارقة فهم من وجهة نظر ترامب يتسمون بـ «الكسل والغباء والشره إلى الطعام والهوس بالجنس والعنف». ولم يسلم من لسان ترامب الحلفاء الأوروبيون أو «الناتو»، أو كثير من الفئات داخل المجتمع الأميركي نفسه.

وخطورة تصريحات ترامب أنه لم يعد يمثل شخصه، فهو ليس مجرد رجل أعمال مثير للجدل، أو أحد نجوم المجتمع غريبي الأطوار، بل مرشح الحزب الجمهوري الذي فاز بالرئاسة 19 مرة منذ إنشائه في العام 1854، ما يعني أن آراءه المتطرفة تحظى بالتأييد من جانب قطاعات شعبية واسعة، ونخب سياسية واقتصادية وإعلامية، ومؤسسات وشركات كبرى، أو أن هذه النزعات العنصرية والتمييزية والاستعلائية والعدوانية موجودة في بنية العقل والمجتمع الأميركيين، وكانت تنتظر من يزيح عنها الرماد فقط، فجاء ترامب ليُظهر ما تتم مواراته وراء ستار من المساواة والمدنية والتحضر.

حتى لو لم يفز ترامب، فإن مجرد وصوله إلى تصدر السباق ممثلاً الحزب الجمهوري يكفي لتبيان حقيقة الوضع وزيف كثير من ادعاءات التفوق الأخلاقي والقيمي التي تعلو نبرتها في الخطاب الأميركي. ومن هنا، فإن انتقادات الولايات المتحدة مملكة البحرين صادرة عن طرف لا يكترث بحقوق الإنسان، ويطفح خطاب نخبه السياسية في أعلى مستوياتها بالعنصرية والتمييز والكراهية والاستعلاء الفارغ من المضمون. وتدل هذه الانتقادات على حال من الفصام والازدواجية والنفاق يعاني منها الغرب عموماً، والولايات المتحدة بصورة أكبر.

ثالثة الأثافي هي إيران التي تضع ضمن أهدافها تفجير مملكة البحرين من الداخل، وباستخدام كل الطرق الممكنة. وقد تجاوز قائد ما يسمى «فيلق القدس» في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني كل الحدود حين أطلق تصريحات وقحة، كما اعتاد أن يفعل، قائلاً إن «التعرض لحرمة آية الله الشيخ عيسى قاسم خط أحمر لدى الشعب، يشعل تجاوزه النار في البحرين والمنطقة بأسرها». وإشعال النار هو طموح لدى إيران لا تفتأ تحاول نقله إلى حيز الواقع، وتريد لهذه النار أن تشعل المنطقة كلها. وتصريح سليماني كاشف عن النيات الكريهة التي تعتمل في أذهان قطاعات واسعة من ساسة إيران، وإن كانوا يتركون إعلان مثل هذه النيات لأشخاص مثل سليماني، وقد يخرج اليوم أو غداً مسؤولون من الرئاسة أو وزارة الخارجية الإيرانية ليقولوا كلاماً مغايراً في لعبة مكشوفة لتوزيع الأدوار.

عدوانية إيران ازدادت تجاه دول المنطقة بعد إبرامها الاتفاق النووي مع الغرب، وهو الاتفاق الذي منحها قبلة الحياة بعد أن كانت العقوبات الاقتصادية والعزلة السياسية أضرت بطهران واقتربت بها من مراجعة مواقفها. ولم يشترط هذا الاتفاق على إيران تعديل سلوكها تجاه جيرانها، على رغم وضوح عدوانيته وخطره على المنطقة، فهل مازالت الولايات المتحدة تعتبر نفسها مسؤولة عن أمن المنطقة، كما تزعم؟ إن عليها على الأقل أن تتوقف عن دعم العبث بأمن المنطقة وعن تشجيع الفوضى فيها.

لم تتوقف يوماً محاولات إيران إشعال النار، ولولا تماسك الصف الخليجي ووحدته وتكتل الشعوب وراء قياداتها لاختلفت الصورة تماماً. ودول الخليج العربية في أعلى حالات جاهزيتها لمواجهة المؤامرات الإيرانية التي تتوالى فصولها، ولنتذكر أنه بعد إعدام نمر النمر في المملكة العربية السعودية كانت هناك جعجعة أعلى مما نرى الآن، ولكن صلابة دول الخليج في الدفاع عن أمنها وكفاءة الأجهزة التي تضطلع بهذه المهمة، وقبل ذلك التلاحم الوطني المشهود، سحقت هذه المؤامرات في مهدها. وستواصل مملكة البحرين مواقفها الحازمة ضد كل من يحاول النيل من أمنها واستقرارها، ومن ورائها الإمارات والسعودية وكل دول مجلس التعاون.

إن تهديدات قاسم سليماني وغيره من المسؤولين الإيرانيين وأتباعهم في الدول العربية لا تخيف أحداً، لكنني أتوقع أنها ستؤخذ خليجياً بالجدية اللازمة، والأهم أن دول مجلس التعاون يجب ألا تسمح لإيران بممارسة لعبة الاستنزاف إلى ما لا نهاية، وأن تغيرات يجب أن تطاول الاستراتيجية الخليجية بحيث لا تترك لإيران فرصة المبادأة والمبادرة كما كان يحدث من قبل.

*- نقلاً عن جريدة "الحياة".

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات