سياسة

المجتمع الاستهلاكى.. عندنا وعندهم

الإثنين 2016.6.27 09:50 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 104قراءة
  • 0 تعليق
د‏.‏ جلال أمين

كثر منذ سبعينيات القرن الماضى استخدام اصطلاح «المجتمع الاستهلاكي»، لوصف ظاهرة لم تكن شائعة من قبل، ثم لفتت الأنظار فى الدول الثرية، ثم ظهرت أيضا فى الدول الأقل دخلا. ليس من السهل تعريف هذه الظاهرة، وإن كان ينطبق عليها ما قيل مرة عن ذلك الحيوان الغريب المنظر (الزرافة)، إذ من الصعب أيضا تعريفه ولكن من السهل التعرف عليه بمجرد رؤيته. 

ظاهرة المجتمع الاستهلاكى لا يقصد بها بالطبع شيوع الرغبة فى الاستهلاك، إذ متى كان هناك هدف للإنتاج غير الاستهلاك؟ التغير الذى حدث ليس أن الاستهلاك أصبح هدفا، ولكن التغير حدث فى مضمون ما يجرى استهلاكه، وفى نظرة الناس الى الاستهلاك، وما أصبح له من أولوية فى اهتماماتهم، وزيادة أهميته كمعيار فى تحديد مكانة الفرد فى المجتمع. 

استهلاك الأنواع الجديدة من السلع والخدمات يمكن وصفه بما وصف به مرة الشاعر المتنبي، عندما قيل إنه «ملأ الدنيا وشغل الناس»، فهى ظاهرة لا تخطئها العين، سواء كنت فى بلد صناعى ثري، أو فى الأحياء «الراقية» من البلاد الأقل ثراء، تراه فى المحال التجارية وما يسمى بـ »المولات«، وفى الإعلانات التى تملأ الشوارع، وعلى شاشات التليفزيون، وفى الصحف والمجلات، وفى تغير الموضات وعادات الملبس والمأكل، وفى استخدام الموسيقى وغيرها من الفنون للترويج للسلع، وفيما طرأ من تحول فى سلوك أصحاب المهن أكثر وأكثر، الى استهداف الربح، وفى تحول أشياء لم تكن تخضع للبيع والشراء، الى سلع تباع وتشتري..إلخ. 

هذه الظاهرة بالطبع عصية على القياس، لأنها ظاهرة نفسية ومادية فى الوقت نفسه، ومن ثم يصعب أيضا تحديد وقت ظهورها بدقة، هل بدأت فى السبعينيات، أم فى منتصف الستينيات، أم قبل ذلك؟ ولكن من المؤكد أنها شاعت واستفحلت فى بلادنا الفقيرة مثلما شاعت فى بلاد المنشأ الغنية، مع فوارق مهمة فى مظاهرها وآثارها عندنا وعندهم، مما يستحق بعض التأمل. 

<<< 

أول ما نلاحظه من فوارق يتعلق باختلاف مستوى الدخل، إن ظهور المجتمع الاستهلاكى فى الدول الغنية، لم ينشأ إلا بعد أن تجاوز متوسط الدخل للغالبية العظمى من الناس مستوى إشباع الضروريات، وبعد أن نمت الطبقة الوسطى عندهم حتى زادت على نصف المجتمع بكثير، جاءت ظاهرة المجتمع الاستهلاكى إذن فى الدول الغنية (مهما كان انتقادنا لهذه الظاهرة وسخطنا عليها)، كتطور طبيعى أو كننتيجة لارتفاع مستوى الدخل، بعد أن أشبع معظم الناس حاجاتهم الأساسية، ولكن أنظر الى ما حدث عندنا، جاءنا المجتمع الاستهلاكى بناء على ضغط من الشركات الكبرى لفتح أبواب الاقتصاد قبل أن نشبع الحاجات الضرورية لمعظم الناس، وصلتنا موجات الدعاية لسلع تافهة وغير ضرورية مع تصديرها بأن الحياة لا يمكن أن تستمر دونها، اندفع الشباب الى التفاخر بالحصول على زجاجة (السفن أب) قبل أن يتمكنوا من الحصول على شقة للسكنى واتمام الزواج، كان لابد أن تحدث نتيجة لذلك توترات شديدة تفوق بكثير ما انتجته ظاهرة المجتمع الاستهلاكى من توترات فى البلاد التى أبدعتها. 

والطبقة الوسطى فى بلادنا حديثة العهد، ومن صعد إليها لم يطمئن بعد الى أنه هو وأولاده سيظلون فيها، ولن يجبروا على الهبوط من جديد لطبقة أدني، ومن ثم فدافعهم الى التفاخر والتظاهر بما حققوه من صعود أقوى وأشد إلحاحا (كما نلاحظ مثلا فى احتفالات الأفراح فى الفنادق)، ويتم بمناسبة وبغير مناسبة، ثم سرعان ما تتحول هذه السلع الجديدة (قليلة الجدوي)، الى علامات للتمييز بين طبقة وأخري، فيزداد الطلب عليها ولو بهذا الدافع وحده.

كل هذا يجرى فى مجتمع لايزال أغلبه من الأميين أو أنصاف المتعلمين، وهؤلاء يقعون بسهولة أكبر فى شراك الدعاية، وضحايا لسحر السلع الجديدة، بل سرعان ما يقع مثقفونا فى الفخ نفسه، فيصبح الحصول على هذه السلع علامة من علامات تفوقهم فى مجتمع أمى فقير، بل ودليلا على علو مركزهم الثقافى أيضا، فتزداد البلبلة وتزداد صعوبة التمييز بين مثقف وآخر! 

<<< 

الأسوأ من هذا، ما أصاب الناس فى أسفل السلم الاجتماعي، بسبب شيوع ظاهرة المجتمع الاستهلاكى فى بلادنا، لقد عاصرت الفقر فى مصر قبل ثورة 1952، أى لفترة طويلة قبل قدوم المجتمع الاستهلاكي، وشاهدته اليوم بعد قدومه، فلاحظت مرارة ومذلة فى عيون وسلوك الفقراء الآن، لم تكن موجودة من قبل (بالإضافة إلى وقاحة وسخافة فى تصرفات الأغنياء لم تكن أيضا موجودة من قبل)، إن الفقر كان طبعا أشد فى مصر قبل 70 عاما، وكان يتعلق أساسا بمستوى التغذية والملبس والمسكن، ولكن المدهش أن من الممكن (فيما يظهر) أن يشعر المرء بمذلة أكبر ومرارة أشد اذا عجز عن دفع نفقات الدروس الخصوصية لأولاده مثلا، مما يشعر به عندما يعجز عن شراء الكمية التى يحتاجها من اللحم أو الفاكهة. 

يزيد الأمر سوءا، موقف الدولة عندنا بالمقارنة بموقف الدولة عندهم، إن مهمة الدولة الأساسية بالطبع هى وضع حد لاعتداء البعض على حقوق الآخرين، وفى المجتمع الاستهلاكى يحدث مثل هذا الاعتداء، سواء كان البلد غنيا أو فقيرا، فالإفراط فى الإعلان والدعاية قد يصل الى درجة «الاعتداء» على حقوق الآخرين، وكذلك استخدام الجنس فى الترويج للسلع، وكذلك إعطاء الرشاوي، أو وضع اليد على المال العام بهدف تحقيق بعض الرغبات التى توحشت فى ظل المجتمع الاستهلاكي، والمؤسف أن الدولة عندنا تبدو أكثر رخاوة منها فى الدول الغنية، وأقل احتراما للقانون، فهى تترك مثل هذه الاعتداءات تحدث وتتكرر دون أن تتدخل التدخل الواجب، هل أحتاج الى ضرب أمثلة؟ انظر الى وضع اليد على الأراضى والشواطئ فى مصر دون وجه حق، أو الاعتداء على النيل بإلقاء الملوثات، أو تسوير جزء بعد آخر من شواطئ النيل أو البحر لأغراض استهلاكية بحتة، حتى أصبح من المستحيل أحيانا على الأفراد العاديين أن يروا النيل أو البحر، لم أجد مثل هذا فى معاملة نهر التيمز فى انجلترا، أو نهر السين فى فرنسا (هل يا ترى يمكن أن نضيف الى هذه الأمثلة، ما نراه من رخاوة الدولة إزاء أحداث الغش الجماعى فى امتحانات الثانوية العامة؟). 

<<< 

فى النهاية، يجب ألا ننسى أن الأنواع الجديدة من السلع والخدمات التى ابتدعت فى عصر المجتمع الاستهلاكي، ليست من ابتداعنا أصلا، بل ابتدعت فى الغرب ثم استوردناها، وهذا يجعل استفحال المجتمع الاستهلاكى فى بلادنا أقبح وأفظع، فالسلع الاستهلاكية كثيرا ما تكون تعبيرا عن ثقافة غربية، وعن علاقات اجتماعية نشأت وتطورت فى الغرب، وقد تكون مناقضة لثقافتنا وعاداتنا، ولكن هذا الخطر «الثقافى» للمجتمع الاستهلاكى يحتاج إلى بعض التفصيل. 

*- نقلاً عن جريدة "الأهرام".

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات