الحروب وصدمات سلاسل الإمداد تغير آفاق الواقع التشيغلي
يواجه قادة الأعمال واقعاً تشغيلياً جديداً، لم تعد فيه الحروب والتضخم والذكاء الاصطناعي، وصدمات سلاسل التوريد أحداثًا استثنائية، بل أصبحت مثل هذه الصدمات جزءاً من الوضع الطبيعي.
وتحدثت شبكة CNBC مع أكثر من 30 رئيسًا تنفيذيًا ومديرًا تنفيذيًا وقائدًا في مختلف القطاعات خلال فعالية Converge Live السنوية التي عُقدت في سنغافورة الأسبوع الماضي، للتعرف على أكثر ما يقلق هذه الفئة من المسؤولين بالشركات في الوقت الحالي.
وفي مختلف القطاعات -من الخدمات المصرفية والطاقة والشحن والتكنولوجيا إلى التصنيع- برز موضوعٌ واضح، لم يعد عدم اليقين أمرًا عابرًا، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من بنية الشركة.
وبالنسبة لتان سو شان، الرئيسة التنفيذية لبنك DBS، أكبر بنك في جنوب شرق آسيا، قالت: "إذا كنت مديرًا، فاحرص على إدارة أعمالك بأقصى قدر من المرونة. لأنك، كما تعلم، لا تدري ما سيحدث غدًا. لذا، اختبر قدرتك على التحمل، واستعد لأسوأ الاحتمالات".
عالم مليء بالصدمات المتواصلة
وأكد مسؤولون تنفيذيون أن وتيرة الأزمات قد تسارعت، بدءًا من الجائحة مرورًا بالحروب التجارية، وصولًا إلى الصراع الجيوسياسي.
وقال رئيس مجلس إدارة شركة ليفر ستايل لتصنيع الملابس، ستانلي سيتو، "أصبح التخطيط طويل الأجل أكثر صعوبةً من أي وقت مضى".
وتتخلى الشركات بشكل متزايد عن دورات التخطيط التقليدية، ويقول أحد المديرين التنفيذيين، "لقد تخلينا تمامًا عن خططنا الثلاثية والخماسية".
وبدلاً من ذلك، يعمل القادة وفق تخطيط طوارئ دائم.
ويقول المدير الإداري لشركة باندورا العملاقة للمجوهرات في آسيا، توماس كنودسن: "لم يعد الأمر يقتصر على التوريد في الوقت المناسب، بل أصبح التوريد تحسبًا لأي طارئ".
وهذا التحول واضح في مختلف القطاعات، حيث يتم تكرار سلاسل التوريد، وإعادة صياغة استراتيجيات المخزون، وتغيير مسارات الخدمات اللوجستية، غالبًا بتكلفة أعلى.
تعرض سلاسل التوريد لضغوط متزايدة
ولا يظهر هذا الاضطراب جليًا في أي مكان كما هو الحال في التجارة العالمية.
وأفاد الكابتن الرئيس التنفيذي لشركة خدمات الشحن "فليت مانجمنت ليمتد"، راجالينجام سوبرامانيام، بأن أكثر من ألفي سفينة عالقة وسط تداعيات حرب إيران، وأن ما بين عشرين ألفًا وثلاثين ألف بحار متضررون.
وحذر قائلًا: "ستظل تكاليف سلاسل التوريد مرتفعة لفترة أطول".
وبالنسبة للمصنعين، بدأ هذا الأمر يُفاقم الضغوط التضخمية.
ويقول سيتو من شركة "ليفر ستايل": "نحن ننتج الملابس، وكلما تعطل الشحن، ارتفعت التكلفة. أسعار المواد الخام في ازدياد، لذا فالوضع تضخمي للغاية".
وتتكيف الشركات مع الوضع، ولكن غالبًا ما يكون ذلك على حساب الجودة، فعلى سبيل المثال، زادت شركة "ليفر ستايل" بشكل كبير من استخدام الشحن الجوي رغم ارتفاع تكاليفه مقارنةً بالنقل البحري، مُعطيةً الأولوية للسرعة والمرونة.
وقال كنودسن، "إنّ سرعة التكيّف هي الأساس".
وأوضح بعض المسؤولين التنفيذيين وجهة هذه التكاليف، "في نهاية المطاف، سيتحملها المستهلك بالكامل"، كما أضاف كنودسن.
التضخم يشكل تحدياً للمستهلك
وأكد مسؤولون تنفيذيون في قطاع المستهلكين ذوي الدخل المتوسط أن الطلب لم يتأثر، لكن سلوك المستهلكين يتغير.
وقال الرئيس التنفيذي لتطبيق GoTo الشامل في إندونيسيا، هانز باتوو، إن المتسوقين الميسورين في البلاد ما زالوا يتمتعون بالمرونة، بينما يحظى المستهلكون ذوو الدخل المنخفض بدعم حكومي، أما الشريحة المتوسطة، فتشهد تحولًا".
وأضاف: "إنهم الآن على استعداد للتضحية بتنوع المنتجات، وعلى استعداد للتضحية بالسرعة مقابل السعر المنخفض".
وكان قد ذكر تقرير سابق لصحيفة "نيويورك تايمز"، من أنه على مدار سلسلة من الصدمات الاقتصادية التي رفعت أسعار المستهلكين خلال السنوات الخمس الماضية، حافظ مستهلكون على ثقتهم من قدرة المؤسسات الحكومية من السيطرة على التضخم.
ولم يتزعزع هذا التفاؤل خاصة في الولايات المتحدة، مع ارتفاع التضخم إلى أعلى مستوياته في أربعة عقود في أعقاب الجائحة، ومع اضطراب أسواق الطاقة جراء الحرب الروسية الأوكرانية، ومع زيادة التكاليف على المستهلكين نتيجةً للتعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وأظهرت استطلاعات رأي المستهلكين أن الأمريكيين كانوا غاضبين من ارتفاع الأسعار ومتشائمين بشأن الوضع الاقتصادي.
ولكن فيما يتعلق بالتضخم، قال المستهلكون إنهم ما زالوا يعتقدون أنه سيعود إلى وضعه الطبيعي في غضون بضع سنوات. وبالمثل كان المستثمرون.
وبالنسبة لمنطقة الآسيان، قالت الرئيسة التنفيذية لشركة "ماينت" المشغلة لخدمة "جي كاش"، مارثا سازون، لشبكة سي إن بي سي، إن المستهلكين في الفلبين على سبيل المثال، أصبحوا "يُظهرون انتقائية شديدة" في مشترياتهم، حيث تُساهم الإعانات الحكومية والتحويلات المالية من الخارج في تخفيف وطأة الأزمة.
وعند سؤالها عن تقييمها لمرونة المستهلكين في دول الآسيان، منحتها سازون سبعة من عشرة، ووافقها باتوو الرأي قائلاً، "لدى إندونيسيا تاريخ طويل من الصدمات، وقد تعلمنا الآن كيفية التكيف والتغلب عليها".
الذكاء الاصطناعي فرصة وتهديد
وأفاد معظم الرؤساء التنفيذيين والمديرين الذين تحدثت إليهم شبكة CNBC بأنهم يواجهون تحديات في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، سواءً من حيث توفير التكاليف، أو تحفيز النمو، أو مخاطر الأمن السيبراني، أو حتى تهديد وجودي لنماذج أعمالهم.
وفي قطاع البرمجيات، حذر المستثمرون من أن نماذج SaaS التقليدية تتعرض لضغوط متزايدة مع إعادة تشكيل وكلاء الذكاء الاصطناعي لكيفية شراء الشركات للبرمجيات واستخدامها.
ويقول المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Antler، ماغنوس غريملاند، وهي شركة عالمية لرأس المال الاستثماري في المراحل المبكرة: "أصبح المنتج أقل أهمية كعامل حماية. الشركات التي لا تمتلك نموذج التوزيع هذا، ولا تستطيع إعادة ابتكار نفسها، ستواجه صعوبات بالغة".
وتقول الشريكة العامة في شركة B Capital للاستثمار التقني، ديزي كاي، إن شركات البرمجيات كخدمة (SaaS) قد تضطر بشكل متزايد إلى فرض رسوم بناءً على النتائج بدلاً من الرسوم على أساس عدد المستخدمين أو "عدد المقاعد". وأضافت: "يعتمد نموذج SaaS التقليدي على نموذج عدد المقاعد"، ولكن مع الوكلاء، "لم يعد يتم احتساب تكلفة البرمجيات بناءً على عدد المقاعد".
ومع ذلك، أكد مسؤولون تنفيذيون آخرون تحدثت إليهم شبكة CNBC أن الذكاء الاصطناعي لا يتعلق فقط بتقليص الوظائف، بل بتطبيق ضوابط كافية.