التحليلات

مجلس السلم والأمن الأفريقي.. هل ينجح في محاصرة الإرهاب؟

الإثنين 2019.2.11 07:20 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 266قراءة
  • 0 تعليق
الصراعات المسلحة في أفريقيا

الصراعات المسلحة.. تحديات أمام قارة أفريقيا

يعد توفير الأمن في دول القارة الأفريقية واحدًا من أهم الأهداف التي تسعى الكثير من الحكومات إلى تحقيقها لا سيما أن أفريقيا حظيت بالنصيب الأكبر من الحروب الأهلية على مستوى العالم.

وتجاوزت القارة السمراء خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي 25 صراعا من إجمالي الصراعات في العالم التي بلغت نحو 35، وأسفرت عن مقتل نحو 4 ملايين فرد، ونزوح ولجوء أكثر من 5 ملايين أغلبهم من الأطفال؛ وهو ما يمثل تهديداً مستمراً لاستقرار الدول الأفريقية وأمنها، نتيجة انتقال الصراع عبر الحدود، وتدخل دول الجوار المباشر والإقليمي في النزاعات بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

كما شهدت العديد من الدول الأفريقية خلال العقود الماضية كثيرا من الحروب الأهلية، أبرزها في السودان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية والسنغال، وليبيريا، ورواندا، وبوروندي، وأوغندا، وتشاد، وأنجولا، والصومال، وأخيرا ليبيا، وأفريقيا الوسطى، حيث توجد 22 دولة على الأقل تعاني من الصراعات والحروب الداخلية.

وأصبحت مشكلة الإرهاب التي لم تكن معروفة بالقارة في السابق، تشكل في غضون سنوات قليلة تحديا رئيسيا لدولها، وذلك بالنظر إلى طبيعتها وتطورها الحالي، مستغلة بذلك امتداد الحدود وعدم قدرة الدول على مراقبتها، بالإضافة إلى انتشار أسلحة، وبؤر التمرد والنزعة الانفصالية وعودة الصراعات العرقية.

 وشهدت أفريقيا في العقد الأخير، تطورا ملحوظًا في هذه القضية، متمثلاً في تزايد الحركات والجماعات، وارتفاع نسبة العمليات الإرهابية، ووفقا للإحصاءات فإن معظم هذه الجماعات ينتشر من أقصى الساحل الأفريقي بالغرب إلى أقصى الساحل الأفريقي في الشرق، ولا يقتصر هذا الانتشار للإرهاب في القارة على منطقة بعينها، بل لا نكون متجاوزين إذا أشرنا إلى أنه لا تخلو منطقة من مناطق القارة من وجود تهديد إرهابي، فهناك أكثر من 5000 إفريقي من جنسيات مختلفة ينشطون مع الجماعات الإرهابية وفي مناطق النزاعات المسلحة الأخرى، إذ تضم 64 منظمة وجماعة إرهابية ينتشر معظمها في شرقها.

هذا الوضع المأساوي الذي يخيم على القارة السمراء منذ سنوات بعيدة لا شك أنه أصبح موضع قلق، حيث خلقت كل هذه العوامل مجتمعة، حلقة مفرغة من انعدام الأمن والنزاعات الداخلية؛ ما أسهم في توفير أرضية خصبة للتهديدات متعددة الأشكال لدول القارة التي تحول دون تحقيق الأمن والاستقرار الضروريين لأي تقدم ونمو وتنمية.

وعلى الرغم من انتشار النزاعات والحروب في إفريقيا؛ إلا أن هناك جهودا تسعى إلى تسوية تلك النزاعات، ومن ثم تحقيق مستويات متقدمة من السلم والأمن، لذا كان قرار إنشاء مجلس السلم والأمن الأفريقي من أهم قرارات الاتحاد، حيث لعب دورا هاما في حماية دول القارة، وساهم فى فض العديد من النزاعات داخل أفريقيا التي كان من المتوقع أن تجرف الكثير من دولها في بحور دماء يصعب الخروج منها، لا سيما أن قضية تحقيق السلم والأمن تعد من أهم القضايا الحيوية والمؤثرة فى القارة.

لذا جاء اتفاق القادة الأفارقة مؤكدا على ضرورة وجود هيئة تعمل على الحفاظ عليه، ذلك خلال قمة الاتحاد التي عقدت في ديربان بجنوب أفريقيا عام 2000، حيث تم الإنفاق على إنشاء المجلس ووضع البروتوكول المنسق لعمله، ودعت الدول الأعضاء للتصديق عليه، على شرط أن تظل آلية فض المنازعات الأفريقية التابعة لمنظمة الوحدة الأفريقية التي أقرتها قمة القاهرة عام 1993 سارية المفعول خلال المدة المؤقتة إلى حين التصديق الفعلي على بروتوكول إنشاء المجلس، وبالفعل دخل قرار إنشاء المجلس حيز التنفيذ في ديسمبر 2003، ودشن عمله في مايو 2004 بمشاركة رؤساء ثماني دول أفريقية، وعدد من كبار المسئولين، وممثلو المنظمات الدولية والإقليمية، كالأمم المتحدة وجامعة الدول العربية.

مجلس السلم والأمن الإفريقي يعد أهم أدوات الاتحاد المسؤولة عن تنفيذ قراراته المتعلقة بفض المنازعات وحفظ الأمن في القارة، يتم انتخاب أعضائه من قبل الجمعية العامة للاتحاد بحيث تعكس التوازن الإقليمي في أفريقيا، فضلا عن مجموعة متنوعة من المعايير الأخرى، بما في ذلك قدرة الدول المشاركة على دعم الاتحاد عسكريا وماليا، يتكون المجلس من خمس عشرة دولة، منها خمسة يتم انتخابهم كل ثلاث سنوات، وعشرة دول لسنتين، وذلك على أساس مبدئي التمثيل الإقليمي العادل والتناوب بين الدول الأعضاء، ويجوز إعادة انتخاب أي عضو تنتهي مدة عضويته، ويشترط ألا تكون الدولة المرشحة للعضوية خاضعة للعقوبات، ويكون لكل عضو قدرة على تحمل الالتزامات الملقاة على عاتقه بموجب العضوية، كما أن المجلس مسؤول عن القوة الأفريقية التي هي برنامج عسكري مهتم باتخاذ القرارات اللازمة لحفظ السلم والأمن في القارة، إلى جانب عمله في المؤسسات المالية التابعة للاتحاد التي تتكون من ثلاث مؤسسات، هي البنك المركزي الأفريقي، والبنك الأفريقي للاستثمار، وصندوق النقد الأفريقي.

تعزيز السلم والأمن في أفريقيا.

تتمثل أهم أهداف المجلس بموجب البرتوكول الخاص بإنشائه في تعزيز السلم والأمن والاستقرار في أفريقيا ومنع الصراعات وبناء السلام وتنسيق الجهود القارية لمنع وحصار الإرهاب الدولي، وتطوير سياسة دفاعية مشتركة للاتحاد الأفريقي وتعزيز وتشجيع الممارسة الديمقراطية والحكم الرشيد وسيادة القانون وحماية حقوق الإنسان والحريات العامة.

ونصت أهم مبادئه على التسوية السلمية للنزاعات، واحترام الحدود الموروثة عند نيل استقلال الدول، وسيادة الدول الأعضاء ووحدتها، مع حق التدخل في شؤونها الداخلية لا سيما في جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، ويتمتع المجلس بسلطات واسعة وشبه مطلقة للقيام بمهامه في اتخاذ المبادرات والإجراءات التي يراها مناسبة للحيلولة دون تفجر الصراعات، كما يدخل ضمن سلطاته فرض العقوبات عندما يحدث تغيير غير دستوري للحكومة في أي دولة عضو في الاتحاد.

 ولتمكين المجلس من أداء مسؤولياته لا سيما الخاصة بنشر بعثات دعم السلام والتدخلات العسكرية أنشئت "القوة الأفريقية" التي تتكون من فرق متعددة الأفرع تضم عناصر مدنية وعسكرية في بلدانها الأصلية تزود بمعدات للقيام بالأنشطة الإنسانية في مناطق مهامها، وذلك تحت سيطرة رئيس المفوضية.

ولتوفير الموارد المالية اللازمة لمهام دعم السلام والأنشطة التشغيلية المتعلقة بالمجلس، أنشئ "صندوق السلام" ويتكون من الاعتمادات المالية في الميزانية العادية للاتحاد، بما فيها المساهمات الطوعية ومتأخرات المساهمات من الدول الأعضاء ومصادر أخرى منها القطاع الخاص والمجتمع المدني والأفراد وكذلك من خلال الأنشطة المناسبة لجمع الأموال، ويجوز لرئيس المفوضية جمع وقبول مساهمات طوعية من مصادر خارج أفريقيا وفقاً لأهداف ومبادئ الاتحاد.

وفي إطار سعيه للوفاء بصلاحياته يتعاون المجلس مع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ووكالات الأمم المتحدة ذات الصلة نفسها وفي حالة التقاضي يتم اللجوء إلى الأمم المتحدة لتوفير ما يلزم من الدعم المالي واللوجيستي والعسكري تعزيزاً لأنشطة الاتحاد الأفريقي، وعملا بأحكام الفصل الثامن من ميثاق الأمم المتحدة المتعلق بدور المنظمات الإقليمية في حفظ السلام والأمن الدوليين.

ويتفاعل رئيس المفوضية مع الأمين العام للأمم المتحدة، من خلال عقد الاجتماعات الدورية وإجراء المشاورات لا سيما المتعلقة بقضايا الأمن في القارة، كما يقيم المجلس علاقات عمل وثيقة مع البرلمان الأفريقي لتعزيز السلام والأمن والاستقرار في أفريقيا ويقدم تقارير دورية إلى البرلمان عن طريق رئيس المفوضية عن مسؤولياته المتعلقة بحفظ السلام والأمن والاستقرار في القارة، ويقوم بدور هام في تنسيق وإدارة الأعمال الإنسانية لإعادة الحياة إلى طبيعتها في حالة النزاعات أو الكوارث الطبيعية داخل دول القارة.

أزمة جزر القمر وإقليم دارفور 

وتجلت أهمية دور المجلس في المساهمة في حل العديد من قضايا الصراع داخل القارة، منها تسوية أزمة جزر القمر والسعي لحل أزمة إقليم دارفور المتنازع عليه، لا سيما أن تسوية أزمة جزيرة أنجوانا في جمهورية جزر القمر تعد هي الأهم، حيث تمكن المجلس من حل الأزمة واستطاع السيطرة على الأوضاع الذي يعود تاريخ بدايتها إلى عام1997، عندما أعلنت الجزيرة انفصالها عن جمهورية القمر، واستولى رئيس أركان القوات المسلحة هناك على الحكم.

وهذا الأمر دفع منظمة الوحدة الإفريقية للسعي لحلها عبر مجلس السلم والأمن الإفريقي، وبالفعل نجح المجلس في عقد اتفاق مصالحة بين أطراف النزاع عام 2001 ،وتم توقيع اتفاق نهائي عام 2003 أعقب بإجراء انتخابات برلمانية عام 2004، لكن الأمور عادت وتأزمت عندما رفض العقيد محمد بكر الذي تولى السلطة في جزيرة أنجوانا عام 2002، التنحي تنفيذاً لحكم المحكمة الدستورية القاضي بانتهاء فترة ولايته، وقام بإجراء انتخابات عام2007، وأصبح رئيساً على جزيرة أنجوان.

وعبر تلك المراحل ظل مجلس السلم والأمن الأفريقي ملتزماً بمبدأ التسوية السلمية للصراع، لكن رفض السلطات الأنجوانية لتلك المناشدات السلمية وتعنتها، فضلا عن قيامها بإجراء الانتخابات، دفع الاتحاد الإفريقي بعدم الاعتراف بنتائج الانتخابات، وأرسل مبعوثين لإقناعها بالتراجع والخضوع لقراراته تجنباً للتصعيد، وقرر مجلس السلْم والأمن الإفريقي التسوية القسرية للصراع، وفرض عقوبات على السلطات الأنجوانية بدأت بحظر التنقل من الجزيرة وإليها، وتجميد أموال السلطات وأصولها، وأخيرا التهديد بالعمل العسكري، وإزاء إصرار السلطات الأنجوانية، وعدم انصياعها لقرارات الاتحاد الإفريقي، قرر مجلس السلم والأمن عام 2008 التدخل العسكري عبر قوة قوامها 1350 جندياً، تشكلت من دول أفريقية عدة.

وتمكنت القوة العسكرية من إعادة بسط حكومة جزر القمر سيطرتها على جزيرة أنجوان في مارس 2008، ولم يتوقف دور مجلس السلم الأفريقي عند ذلك الحد؛ بل قرر التمديد مرة أخرى لبعثته حتى يونيو 2008 بغرض المساعدة في إجراء عملية انتخابية عادلة ونزيهة.

ولم يقل دور المجلس في إدارة أزمة دارفور عن دوره في تناول الصراع في جزر القمر، لكن الوضع في الإقليم المتنازع علية كان مختلفا، لا سيما أن أزمة دارفور شهدت العديد من الجهود الرامية لإيجاد تسوية مناسبة لها، بداية من محاولة بناء الثقة والمساهمة في خلق بيئة آمنة في الإقليم.

وبذل المجلس كل الجهود من أجل تسوية الأزمة بين السودان وتشاد، وعلى الرغم من تداخل الأسباب المؤدية لنشوء أزمة دارفور وتشابكها؛ فإن الاتحاد الأفريقي، وعبر مجلس السلم والأمن، ظل يقوم بأدوار متعددة من أجل الوصول لتسوية مناسبة، تنهي الصراع الذي بدأ عام 2003 إلا أن تعقد الصراع واتساع جغرافيته أدى إلى تدهور الأوضاع بصورة حادة، وترتب علية تعرض بعثة الاتحاد لعديد من عمليات الاختطاف والنهب، فضلا عن المواجهات العسكرية الشرسة من قبل الأطراف المتصارعة، سواء كانت حكومية أو تابعة للحركات المسلحة.

ونتيجة للضغوط الدولية الناجمة من تردي الأوضاع في دارفور؛ قرر مجلس السلم والأمن الأفريقي الموافقة على نقل مهام قوة "إيميز" لحفظ السلام والأمن في دارفور إلى الأمم المتحدة، وذلك في إطار شراكة تجمع بين الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي، وتشكيل قوة عسكرية مختلطة عرفت باسم (اليونوميد)، تشكل القوات الأفريقية التابعة لمجلس السلْم والأمن الأفريقي أغلب قوامها.

إجمالا، تعاني أفريقيا بشكل كبير من الصراعات والعنف، ويكلف النزاع المسلح نحو 28 مليار دولار سنويا؛ وبالتالي فإن ذلك يمثل عائقا خطيرا للتنمية في القارة؛ ما يجعل مجلس السلم والأمن الأفريقي خطوة هامة في طريق سعي الاتحاد إلى الحول دون حدوث الكثير من الأزمات والصراعات داخل دول القارة.

تعليقات