ثقافة

"هايدغر في المشفى" للجزائري محمد بن جبار.. حال المجتمع بعيون المجانين

الأربعاء 2018.11.28 03:14 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 231قراءة
  • 0 تعليق
رواية هايدغر في المشفى للجزائري محمد جبار

رواية هايدغر في المشفى للجزائري محمد جبار

تتصدر الروايات اهتمام القارئ الجزائري، وهو ما رصدته "العين الإخبارية" في النسخة الـ 23 لمعرض الجزائر الدولي للكتاب الذي اختتم في 10 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وتصدرت مبيعات المعرض إلى جانب الكتب الدينية والتاريخية. 

وإضافة إلى "عمالقة" الرواية مثل ياسمينة خضرة وواسيني الأعرج وزينت لعرج وربيعة جلطي وأحلام مستغانمي، برزت أسماء أخرى في عالم الرواية بالجزائر، استطاعت أن تجد لها مكاناً عند القارئ الجزائري بين كل تلك الأسماء اللامعة، وتجلى ذلك في الإقبال اللافت على شراء رواياتهم في المعرض الدولي للكتاب بالجزائر.

ومن بين الأسماء التي استطاعت أن تصنع لها اسماً في الرواية الجزائرية، يوجد الكاتب والروائي محمد بن جبار، صاحب الروايات "الجريئة والمثيرة للجدل" كما يصفها المتابعون.

ينحدر محمد بن جبار من محافظة غليزان الواقعة غرب الجزائر التي ولد بها عام 1965، وحصل منها على شهادة "الماستر" في القانون الجنائي وشهادة الكفاءة المهنية للمحاماة.

تخصُّصُ الكاتب بن جبار في المحاماة، يتضح في رواياته الثلاث التي أصدرها منذ 2015، يدافع من خلالها عن من يراهم مظلومين، ويحاكم فيها الظالمين على طريقته وبأسلوبه الخاص.

الروائي محمد بن جبار

صدرت للكاتب محمد بن جبار 3 روايات، الأولى عام 2015 وكانت بعنوان "أربعمائة متر فوق مستوى الوعي"، ورواية "الحركي" التي صدرت عام 2016 وأثارت الكثير من الجدل في الجزائر، لما فيها من جرأة ونقد لاذع لخونة الثورة الجزائرية (1954 – 1962)، استعاد فيها ما يعرف "بتاريخ المغضوب عليهم في الجزائر".

رواية أربعمائة متر فوق مستوى الوعي

أما آخر رواية للكاتب الجزائري محمد بن جبار فهي "هايدغر في المشفى" التي صدرت في 2018 عن دار النشر "بوهيما" وشارك بها في النسخة الأخيرة لمعرض الجزائر الدولي للكتاب.

ويعتبر محمد بن جبار نفسه "متمرداً" على النهج المُتبع من قبل الكتاب والروائيين الجزائريين، ويرى أن رواياته لا تعترف بـ"النمطية"، وبأنه كسر القواعد التي يتعامل بها مع القارئ، والأكثر من ذلك، فإن الكاتب يُقر بأنه "لا يأبه إلا لما تُمليه عليه وجهة نظره المختلفة"، فهو يكتب ما يراه مناسباً، وليس كاتباً "تحت الطلب" كما ذكر في تصريحات صحفية.

رواية الحركي

"هايدغر في المشفى".. البقاء للأقوى

على الرغم من قلة عدد رواياته، فإن الرواية الأخيرة للكاتب الجزائري محمد جبار "هايدغر في المشفى" شكّلت بحسب النقاد الجزائريين "عملاً فريداً في الساحة الأدبية"، وصُنفت ضمن روايات ما بعد الحداثة في الجزائر، خاصة مع لغتها الفلسفية الممزوجة بين العمق والسخرية والتأويل.

ففي 142 صفحة و15 فصلاً، أخرج محمد بن جبار رواية مليئة بالإثارة والتشويق عن واقع المجتمع الذي يعيش فيه، بدأها بمقولة لـ "روبرت غوين" جاء فيها "إن التعامل مع الحمقى هو جزء من الكوميديا البشرية التي لا تستحق الشعور بالاستياء منها أو القلق من أجلها".

وبأسلوبه المعتاد الفلسفي والسياسي، اختار محمد بن جبار شرح واقع مجتمعه من مصحة للأمراض العقلية، تعددت فيها الأصوات والأيديولوجيات، وأبرزت حجم التضارب الموجود داخل مجتمعه، وهو التضارب الذي لم يجد له إلا "المصحة العقلية" لترجمته وسرد خفاياه.

جسد الكاتب في روايته مجموعة من الشخصيات والمجموعات، أبرزها أتباع "هايدغر" وأتباع "بوبر"، وشخصيات "فريد الهايدجري" و"عواد" و"الناصر"، غير أن ما يجمع شخصيات ومجموعات الرواية هو "التأويل المتعمد" الذي أراده محمد بن جبار "مفتاحاً" لفهم المقصود من روايته.

فالمصحة العقلية ليست مصحة بل هي مجتمع قائم بذاته، وشخصية "الناصر" لم تكن الشخصية الحقيقية لذلك الكاتب الذي سعى لتقويم لغته، وشخصية "عواد" لم تكن إلا تعبيراً عن المهمش في مجتمعه، ليخرج محمد بن جبار في الأخير في روايته بتشخيص لأمراض عدة يعاني منها مجتمعه وأفراده.

رواية هايدغر في المشفى

ملخص الرواية

تبدأ الرواية من شخصية "الناصر"، ذلك الكاتب الذي يسعى لتحسين مستواه اللغوي، ولجأ إلى شيخ ليعلمه ويحسن مستواه، لكنه أصيب بإحباط نفسي وشخصي بعد صراعه مع "لوبيات ثقافية" حاولت تحطيمه، ليجد نفسه في "مصحة للأمراض العقلية".

وعند دخوله إلى المصحة، وجد الناصر بأن نزلاء المصحة مقسمون إلى فريقين متصارعين، فريق ينتمي إلى "عقيدة هايدجر" والآخر إلى "عقيدة كارل بوبر".

حاول الناصر التزام الحياد في أيامه الأولى بالمصحة، لكنه اقتنع مع مروها أن الحياد في مشفى المجانين "ضرب من الجنون الإضافي"، فقرر الانضمام إلى فريق "الهايدجريين"، ويُجرب حظه في النضال.

تستمر الرواية في سرد الأحداث، وتشير إلى أن إدارة المشفى كانت تعمل دائماً على "إطالة أمد الصراع بين الفريقين"، وهو الصراع الذي كان يخدم مصالحها لتمرير مخططاتها، وعملت على تغذيته، وحدثت "معارك مجانية" – كما تصفها الرواية – في وقت لم يعلم كلا الفريقين مصدر تغذية صراعهما، إلى أن تحدث مصالحة بين الفريقين، ويتحولان إلى فريق واحد لمواجهة إدارة المشفى التي تصفها الرواية بـ "الديكتاتورية"، وهدفهم في ذلك الحصول على "الكرامة الإنسانية".

وخلال ذلك تدخل شخصيات جديدة إلى القصة، وهي "فريد الهايدجري وعواد" إضافة إلى الناصر، وهي الشخصيات التي قررت تغيير وجهة الصراع بينها إلى الصراع مع إدارة المشفى.

الروائي محمد بن جبار

وبعد صراع طويل بينهما، تصل الرواية إلى "حالة من التسامح" بين إدارة المشفى ونزلائها "الهايدغريين" و"البوبريين"، يحصل من خلالها النزلاء على حق الكرامة الإنسانية والعيش في سلم، والتمتع بالحقوق الفردية وحق الاختلاف.

ومن مفاجآت رواية "هايدغر في المشفى"، أن الكاتب محمد بن جبار، صوَّر ذلك التسامح على أنه "بقاء للأقوى وللمصالح"، وبأنه التصالح لم يتم إلا "بإرادة عليا"، ويقصد من خلالها إدارة المشفى، التي انتقلت من "تغذية الفوضى والحرب والصراع" لضمان بقائها وتمرير مخططاتها إلى "خطة التسامح" التي تضمن لها البقاء أيضا.

كما يرى الكاتب في روايته أن المستفيد الأكبر من ذلك التسامح والمصالحة بين الطرفين لم يكن النزلاء، بل إدارة المشفى، من خلال استفادتها من امتيازات أكبر على حساب النزلاء، وبأنها "تغافلت" عن "خطر مرض النزلاء" على المجتمع وعاملتهم مثل بقية أفراد المجتمع "الأصحاء"، ما يعني بحسب الرواية أن إدارة المشفى "غلَّبت مصلحتها الضيقة" على حساب "المنطق النفسي".

تعليقات