ثقافة

في حضرة "الست".. يفر الوحش وتتماسك الحياة

الأربعاء 2018.5.9 03:42 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 303قراءة
  • 0 تعليق
غلاف رواية "الست" للكاتبة المصرية سمر نور

غلاف رواية "الست" للكاتبة المصرية سمر نور

غالبا ما سيراوغك العنوان، فمن هي "السِت"؟ هل هي شخصية الرواية الرئيسية أم هي إحالة لعالم أم كلثوم التي لقبها جمهورها بـ"الست"، هل هو عنوان يشي بمضمون نسوي محتمل؟ أم ليس كل ما سبق. 

تجتاز العنوان إلى ما هو أبعد، يدفعك طريقة تسلسل السرد وصغر حجم الرواية، 92 صفحة، للتساؤل: هل هي متتالية، أم "نوفيلا"؟ حتى تتبدد كل تلك التساؤلات بمجرد تسلل النص إليك.

رواية "السِت"، من إصدار دار "العين للنشر" بالقاهرة، هي العمل الروائي الثاني للمصرية سمر نور بعد "محلك سر"، والعمل التالي لمجموعتها القصصية التي نالت جائزة ساويرس الأدبية أخيرا "في بيت مصاص دماء". 


تعبر بك بطلة الرواية إلى عالمها بدون مقدمات طويلة، فهو واحدة من ملايين يقررون تزامنا مع منتصف العمر إعادة صياغة الحياة من حولهم من جديد، فتشاركك عزلتها الاختيارية، التي لها جذور إجبارية في واقع الأمر، فتقرر أن تخوض تجربة الحياة المُستقلة لتواجه العالم بمخاوفها وأحلامها، تختبر كل شيء، تعيد اكتشاف أشياء، وتعتزل إن لزم الأمر.

جعلت الكاتبة سمر نور من بطلتها زاوية الرؤية، ومهد الحكاية، فتدور الرواية على لسانها، تقول عن انتقالها لبيت جديد: "أرغب في التعود على الحياة داخل فراغ يخصني أملأه بما أحب". 

في ذلك الفراغ لن تجد كثيرا من الأشخاص، ربما صديقات قليلات، ترى الونس الأكبر في ألوان تقرر بطلة الرواية أن تسكن جدران وأثاث بيتها الصغير جدا، ألوان تحيلها لسماء وبحر وصحراء، تتحدث عن الجدران التي تكتشف مع مرورك عبر سرد الرواية أنها مفتاح لقراءتها، تقول: "في حكايات ألف ليلة وليلة هناك حجرات كثيرة في قصور شاهقة، بعضها مغلق على ما فيه، حيث تكون مجرد بوابة لعوالم أخرى، وهناك أبواب ممنوع فتحها، حجرات الأسرار والغموض، وأنا لا أحب أن يكون في بيتي سر ولا أريد غموضا، أريد سحرا نابعا من الألوان". 

تتسلل أصوات إلى البيت الجديد، المُلوّن، تختبر صاحبته الأصوات بتأن، وخوف أحيانا، تألف مع الوقت أصوات الجيران، ويألف الجيران بدورهم الجارة الجديدة، في مشاهد تعاملت معها الكاتبة بمشهدية لافتة، كمشهد البطلة وهي تراجع بقلق إحكامها لإغلاق الباب والنوافذ ووصلات الكهرباء والأقفال في نهاية اليوم حرصا على الأمان، في الوقت الذي كانت تنسى فيه مفتاح البيت في الباب من الخارج. 

يتسلل صوت آخر بات أكبر اكتشافات بطلة الرواية في صومعتها الجديدة، وهو صوت أم كلثوم، الذي عبر إلى مسامعها يوما عبر راديو أحد الجيران المغرمين بها، فتعيد اكتشاف هذا الصوت وتجلياته، يتوقف صوت "الست" عن التسلل لبيتها فتبحث عنه وتبحث بدراميتها المعهودة عن أسباب توقف الصوت "لا أعرف لماذا توقف صوت ثومة عن الوصول إلىّ عبر راديو الجيران، ربما انفصل الزوجان، ورحلت الأم بأولادها لمكان آخر، حيث تستمع لأغاني الست وتبكي" وتواصل الاحتمالات بشغف للوصول للخبر اليقين. 

ليس فقط صوت الست ما كان يشكل شغف البطلة، ولكن كثيرا من الصناديق المغلقة التي تتفتح واحدا تلو الآخر من خلال تأمل البطلة ليومياتها الجديدة، المخاوف الصغيرة التي بدأت تنتصر عليها بمفردها، نبات "البوتس" الذي يموت في بيتها ويخذلها، الوقت الخطأ الذي يعبر فيه الحب، ويختفي، أمها التي تعيد اكتشافها بشغف جديد، وكذلك العالم الافتراضي الذي تتسلل منه قصة حب محتملة.

تعيد البطلة استخدام كلمة "الوحش" في أكثر من سياق، فهي تعلن بروح مقاتلة تشهر سيفا أنها ستواجه الوحش، تواجهه بسياق حياة اختارت أن تملك ناصيته، وبممارسة الكتابة التي كانت تتذكر فيها سنواتها كطفلة مرتعدة "كنت أكتب لأقتل وحوشي، وكانت تلك هي الوسيلة الوحيدة للتعامل مع كل هذا الوجع". 

تختصر الكاتبة الخوف وتلسبه رداء الوحش، تتقدم لحلبة مواجهته شاهرة في وجهه سلاحها "بدأ الشغف بالألوان غريبا، وساحرا، لم أكن أعرف أنه سيحول إلى سلاح في يدي وأنا أواجه الوحش، مثله مثل صوت أم كلثوم الذي تسلل إلى بيتي الجديد خلسة (...) كيف لم أكن أنصت لهذا الصوت من قبل؟ كانت تكمل تلاوتها فتلين عيناه الذئبيتان، يتوه توحشها في شك ما، نعم كان شكا، هو الذي دفعه إلى الهروب، لن يخف الوحش، لم يحترق كشياطين الأفلام، إنه فقط تشكك في قدرته على محاصرتي، هرب من سكينتي المفاجئة". 

تعليقات