ثقافة

حكايات "الشاي.. ثقافات وطقوس".. قراءة لأمزجة الشعوب حول العالم

الأربعاء 2019.1.9 01:23 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 315قراءة
  • 0 تعليق
غلاف كتاب كريستوف بيترز، الشاي ثقافات.. طقوس.. حكايات

غلاف كتاب كريستوف بيترز، الشاي ثقافات.. طقوس.. حكايات

يكشف كتاب "الشاي، ثقافات.. طقوس.. حكايات"، للمؤلف كريستوف بيترز، والذي صدر عن دار العربي للنشر والتوزيع، بترجمة الدكتور سمير منير، عن ارتباط الكاتب بذلك المشروب الملهم المتنوع وعن فن إعداده الذي يسبب السعادة لمحبيه حول العالم.

منذ أن كان فتى يافعا، كان كريستوف بيترز يفضل جمع أواني الشاي أكثر من جمع الأسطوانات، وحتى الآن ينهمك لساعات كثيرة كل أسبوع في معرفة السبل المختلفة التي تمكنه من إعداد شاي لا تشوبه شائبة. 

ويحكي الكاتب والخبير بالشاي في طيات كتابه بأسلوب فكاهي لطيف علاقة الشاي بكرة القدم، مرورا بثقافات الشعوب المرتبطة به حول العالم من مصر وتركيا مرورا باليابان والصين، وصولا إلى فريز لاند الشرقية، وحتى شاي high tea البريطاني الذي يشربه في فندق في لندن. 

وفي المقدمة التي كتبها خصيصا للنسخة العربية، والتي تحتل فيها مصر مكانة خاصة، يؤكد المؤلف أن من أهداف هذا الكتاب الذي يتناول ثقافات الشاي في العالم، التأكيد على أن اختلاف طرق التفكير لا يجب أن يؤدي إلى وضع حدود بين البشر أو حدوث صراعات بينهم، فالشاي لدى المصريين ليس مجرد مشروب، وإنما يكاد أن يكون مادة سحرية تحمل الناس على الجلوس معا وسرد الحكايات والإصغاء لبعضهم بعضا ومناقشة الأسئلة ذات الشأن. 

الكاتب لا يستدعي هذه التفاصيل الحميمة المرتبطة بالشاي من المجتمع المصري فقط، وإنما كذلك من ذكريات طفولته حيث ارتبطت ذاكرته بمشاهد لم ينسها من تناول أبيه لشاي البابونج لعلاج معدته، أو ارتباط أمه بالشاي، ونفورها الشديد من الشاي بالنعناع لارتباطه معها بذكريات الحرب، لنكتشف معه أن الشاي ليس مجرد مشروب، وإنما جزء من تواريخ الناس والأشياء. 


ويستمر المؤلف في سرد حكايات من مختلف بلدان العالم، وكأن هذه الحكايات تستمد دفء أصحابها وأسمارهم من دفء الشاي ذاته، متنقلا بين طقوس تناوله بين الغرب، فيتحدث عن علاقة اليابانيين بالشاي، وعن سفره الأول إلى مصر، وعن تصوراته المسبقة عن الإسلام كدين قبلي يعتنقه رجال عدوانيون ونساء مستعبدات، وعن علاقة الشاي بتصوراته عن العلاقة بين الشرق والغرب، وبين الدين والتنوير، وعن دوره ليس كمجرد مشروب، وإنما كمعادل موضوعي يعبر عن مزاج أصحاب التركيبة المصرية الأصلية، المنافية لكل ما هو متطرف.


ويستغرق الكتاب في الحديث عن أدوات الشاي وأسمائه التي تختلف من بلد إلى بلد، وأواني تقديمه وطرق إعداده المتباينة من بلد لآخر، من "الماتشا" و"السينشا" اليابانيين اللذين يمثلان -هما وعديد من الأنواع والأواني والأباريق والطقوس- جزءا من الهوية اليابانية، إلى مسألة الاختلاف على موطن نشأة الشاي إن كانت الصين أم الهند، إلى ربطه المدهش بين الشاي كجزء من تاريخ الصين واعتدادهم بكونها موطنه الأصلي من اللافتة الكبيرة التي تفيد ذلك، والموضوعة في مدخل مطار بكين.  

وفي الجزء الأخير من الكتاب، والمعنون بـ"رحلة الشاي من الهند للإنجليز  ومواطني فريز لاند الشرقية"، يتخذ الكتاب طابعا توثيقيا، يتناول فيه المؤلف اكتشاف المغامر الإنجليزي "روبرت بروس" في عام 1823 في غابات الهند المطيرة شجرة الشاي المدارية المعروفة باسم "كاميليا آسام"، وفي العام التالي توفي روبرت، فخلف لأخيه الأصغر منه "تشارلز" معلومات حول اكتشافه هذا، والذي زرع بدوره مشاتل لهذه الشجرة، وبعد أن شهد لورد مدين "أوكلاند" بجودة العينات؛ أمر بتصدير الشاي الهندي الأسود إلى جميع أنحاء العالم.  

ولعل الاعتماد بشكل صريح ورئيسي على الحكي كسياق رئيسي للكتاب، يجعله يبدو في مجمله كجلسة شاي ممتعة، يراهن فيها الكاتب على قدرات الشاي بإيجاد قدر غير قليل من الحميمية والتسلية والمعرفة، فجاء الكتاب توثيقيا في إطار حكائي لطيف، يعتني بالصوت في الحديث عن نطق كلمة شاي أو tea، والتي يمتد صوتها عند نطقها حتى التلاشي مثل خروج نفس عميق، وباللون الذي يربط الشاي الأخضر بالحس المرهف المصطبغ بصبغة شرقية بالأصل، والشاي الأسود الذي ينزع نحو الحياة الغربية من حيث العمل على تحقيق "التكافؤ"، وتهدئة نمط الحياة اليومية.  

كريستوف بيترز من مواليد 1966، وهو كاتب حر مقيم في برلين، حصدت أولى رواياته "مدينة، بلد، نهر" الصادرة عام 1999 جائزة "أسبكته" الأدبية، وصدر له كذلك "السيد ياماشيرو يفضل البطاطس" و"ذراع الأخطبوط" ، وترجمت له المجموعة القصصية "استئناس الغربة" إلى العربية عام 2014 عن دار صفصافة للنشر، وصدر له "حجرة في دار الحرب" عن المركز القومي للترجمة عام 2006، كما حاز على جائزة "فريدريش هولدرين" المقدمة في مدينة "باد هومبورج"، وفي عام 2018 صدر له كتاب "عام القط". 

تعليقات