خلف الرواية الرسمية.. باحث لـ«العين الإخبارية»: هكذا تم تدبير اغتيال ملك السويد
بعد أكثر من 300 عام على مقتل ملك السويد "كارل الثاني عشر"، نجحت دراسة رقمية جديدة في حل واحد من أقدم الألغاز الجنائية في أوروبا.
وخلال الدراسة التي تتناول أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ الأوروبي، نجح سيسيرو مورايس، المصمم البرازيلي ثلاثي الأبعاد، في إعادة بناء وجه الملك ومسار الرصاصة التي أنهت حياته.

ويقول مورايس لـ"العين الإخبارية": " دراستنا قدمت تحليلاً بيوأثرياً وطبياً شرعياً غير مسبوق للملك السويدي، الذي لقي مصرعه عام 1718 خلال حصار قلعة فريدريكستن في النرويج، في ذروة الحرب الشمالية الكبرى، وهي الحرب التي خاضتها السويد ضد تحالف ضم روسيا والدنمارك والنرويج وبولندا".
وكان الملك، الذي اعتلى العرش وهو في الخامسة عشرة من عمره، قد اشتهر بقيادته العسكرية الجريئة، حتى أصبح رمزاً للإمبراطورية السويدية في أوج قوتها. لكن سنوات الحرب الطويلة أنهكت المملكة، وفي شتاء عام 1718 قاد بنفسه حصاراً أخيراً ضد النرويج، وهناك سقط قتيلاً برصاصة اخترقت رأسه.
ومنذ تلك اللحظة، ظل السؤال مطروحاً: هل قُتل بنيران العدو النرويجي، أم اغتاله أحد رجاله لإنهاء حرب مدمرة؟
هذا اللغز التاريخي دفع الباحثين عبر عقود إلى إعادة فحص رفاته أكثر من مرة. ففي عام 1917، تم استخراج جثمانه وإجراء تشريح دقيق، كشف عن وجود ثقب دخول في الجانب الأيسر من الجمجمة وثقب خروج في الجانب الأيمن، لكن طبيعة المقذوف ومصدره ظلا موضع خلاف.

ويوضح مورايس أن دراستهم الجديدة استخدمت منظومة رقمية مفتوحة المصدر للنمذجة والتشريح الرقمي تعرف باسم " أورتوغ أون بلندر "، لإعادة بناء الجمجمة والوجه ومسار المقذوف، وبسبب عدم توفر مسح ثلاثي الأبعاد مباشر لجمجمة الملك، اعتمد الباحثون على صور فوتوغرافية وأشعة سينية التقطت خلال استخراج رفاته قبل أكثر من قرن، ثم أعادوا تشكيل الهيكل العظمي باستخدام تقنيات التشويه التشريحي والمقارنة القياسية.
ويقول: " جاءت النتائج متطابقة بدرجة كبيرة مع نتائج التشريح التاريخي، مؤكدة أن الرصاصة اخترقت الرأس في مسار أفقي شبه مستقيم، حيث دخلت عبر الصدغ الأيسر وخرجت من الصدغ الأيمن".
ويضيف "هذه النتيجة تحمل أهمية كبيرة، لأنها تعيد إحياء الجدل حول زاوية إطلاق النار. فالرصاصة الأفقية تعني أن مصدرها كان على مستوى قريب جداً من رأس الملك، وهو ما يغذي فرضية الاغتيال أكثر من فرضية الإصابة العشوائية من خطوط العدو".

تفاصيل تشريحية جديدة
ولم يقتصر العمل على تتبع الرصاصة فقط، بل كشف الفريق عن تفاصيل تشريحية جديدة في وجه الملك. فقد أظهرت التحليلات القياسية أنه كان يعاني من تراجع في الفك العلوي مع بروز في الفك السفلي، وهي حالة تفسر الملامح المميزة التي ظهرت في لوحاته الرسمية وقناع موته.
كما تمكن مورايس من بناء نموذج رقمي للدماغ والأوعية الدموية، ما أتاح تحديد المناطق العصبية المصابة بدقة. وأظهرت المحاكاة أن المقذوف ألحق أضراراً مدمرة بمناطق حيوية في المخ، ما يعني أن الوفاة كانت شبه فورية.
وفي خطوة لافتة، دمج مورايس القبعة العسكرية ثلاثية الزوايا التي كان يرتديها الملك في النموذج الرقمي، ليكتشفوا أن مسار الرصاصة يتوافق تماماً مع الفتحة المحتملة في القبعة، وهو ما يضيف دقة هندسية جديدة إلى الرواية التاريخية.
يذكر أن الغموض حول وفاة ملك السويد "كارل الثاني عشر"، لم يكن مجرد تفصيلة تاريخية، بل كان له أثر سياسي ضخم. فبموته انتهت فعلياً طموحات السويد الإمبراطورية، وسرعان ما اختتمت الحرب الشمالية الكبرى، لتفقد البلاد مكانتها كقوة عظمى، بينما صعدت روسيا كقوة مهيمنة في شمال أوروبا.
ويرى مورايس أن هذه الدراسة تمثل نموذجاً جديداً في التحقيقات التاريخية، حيث يمكن للتقنيات الرقمية الحديثة أن تعيد فحص أحداث مضى عليها قرون، ليس فقط لفهم كيف مات أصحابها، بل أيضاً لفهم كيف غيّر موتهم مجرى التاريخ.