17 مليار شيكل مكدّسة في بنوك فلسطين.. فائض نقدي يهدد دورة الأموال (حوار)
رغم أن توافر السيولة يعد مؤشرا إيجابيا في الاقتصادات الطبيعية، فإن الاقتصاد الفلسطيني يواجه مفارقة معقدة، إذ تحولت وفرة الشيكل إلى أزمة مصرفية تهدد النشاط الاقتصادي وتزيد الضغوط المالية.
وتعود الأزمة إلى تزايد كميات الشيكل داخل البنوك الفلسطينية مقابل تعثر نقلها إلى الجانب الإسرائيلي، ما أدى إلى تكدس غير مسبوق للأموال النقدية وفرض قيود على العمليات المصرفية.
وأشار وزير الاقتصاد الفلسطيني الأسبق مازن سنقرط، في حديث لـ"العين الإخبارية"، إلى أن الاقتصاد الفلسطيني واجه منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 ثلاثة تطورات رئيسية تركت آثارا مباشرة على النشاط الاقتصادي، ولا سيما في الضفة الغربية.
وأوضح أن التطور الأول تمثل في توقف نحو 200 ألف عامل فلسطيني عن العمل داخل إسرائيل، بعد عدم السماح لهم بالعودة إلى وظائفهم منذ ذلك التاريخ، رغم أن دخولهم كانت تدر على الاقتصاد الفلسطيني نحو 5.5 مليار دولار سنويا.
وأضاف أن التطور الثاني يتعلق بإيرادات المقاصة الناتجة عن العلاقات التجارية بين فلسطين ودول العالم عبر الموانئ الإسرائيلية، وكذلك التجارة البينية بين الجانبين وفق بروتوكول باريس الاقتصادي، مشيرا إلى أن هذه الإيرادات تشكل موردا رئيسيا للخزينة الفلسطينية.
وأوضح أن نحو 5.5 مليار دولار من أموال المقاصة لم تُحول إلى الخزينة الفلسطينية منذ 18 شهرا، وهو ما انعكس على صرف رواتب نحو 170 ألف موظف في السلطة الفلسطينية، الذين يتقاضون خلال السنوات الأخيرة نحو 50% فقط من رواتبهم، الأمر الذي أثر بدوره في القوة الشرائية لما يقارب مليون شخص في الضفة الغربية وقطاع غزة.
متى نشأت أزمة الشيكل؟
وتابع سنقرط أن التحدي الثالث يتعلق بالقطاع المصرفي، موضحا أن البنوك الفلسطينية تتعامل بعملة الشيكل في معاملاتها مع البنوك الإسرائيلية، سواء فيما يخص الضمانات أو الحسابات أو عمليات نقل النقد.
وأشار إلى أن البنوك الفلسطينية تواجه حاليا صعوبة في تحويل فائض الشيكل المتراكم لديها إلى البنوك الإسرائيلية، وهو ما أدى إلى تزايد حجم النقد المحتفظ به داخل خزائنها.
وأضاف أن القطاع المصرفي الفلسطيني يحظى، بحسب تقييمات دولية، بمستويات مرتفعة من الشفافية والامتثال للمعايير المالية، وأن عمليات نقل الأموال بين الجانبين تمت طوال العقود الماضية وفق الأطر المصرفية المعتمدة.
وأضاف أن الجانب الإسرائيلي يربط هذه القضية باعتبارات مختلفة، بينما يرى الجانب الفلسطيني أن الملف تجاوز إطاره الفني وأصبح ذا أبعاد سياسية، في ظل الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها وزير المالية الإسرائيلي فيما يتعلق بالملفات الاقتصادية والإدارية المرتبطة بالضفة الغربية.
وأشار سنقرط إلى أن نتيجة ذلك تمثلت في تكدس نحو 17 مليار شيكل، بما يعادل قرابة 6 مليارات دولار، داخل خزائن البنوك الفلسطينية، وهو مستوى يفوق القدرة الاستيعابية لبعض البنوك، كما يزيد من التحديات المرتبطة بتأمين هذه الكميات الكبيرة من النقد.
كيف تحركت البنوك؟
وأوضح أن هذا الوضع دفع البنوك إلى اتباع سياسات أكثر تحفظا في استقبال المزيد من السيولة النقدية بالشيكل، في ظل استمرار صعوبة تحويلها، لافتا إلى أن العملة في الظروف الطبيعية يفترض أن تكون مقبولة لدى الجهة المصدرة لها، كما هو معمول به في التعامل بالدولار الأمريكي أو الدينار الأردني.
وعن أسباب استمرار تكدس الشيكل، قال سنقرط إن الجانب الإسرائيلي لا يستقبل حاليا الكميات المتراكمة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على عمل البنوك الفلسطينية، التي أصبحت أكثر حذرا في إصدار دفاتر الشيكات واستقبال الإيداعات النقدية، رغم أن النشاط المصرفي المعتاد يعتمد على استمرار تدفق الودائع داخل الجهاز البنكي.
وأضاف أن الشيكل يمثل العملة الأكثر استخداما في المعاملات اليومية داخل الأراضي الفلسطينية، في ظل عدم وجود عملة وطنية، إذ تعمل سلطة النقد الفلسطينية بوصفها الجهة المنظمة للقطاع المالي، دون أن تمتلك صلاحيات إصدار عملة مستقلة.
وأشار إلى أن الأزمة كان يمكن التعامل معها باعتبارها مسألة فنية عبر التنسيق بين سلطة النقد الفلسطينية والبنك المركزي الإسرائيلي، كما كان يحدث في السابق من خلال اجتماعات دورية لبحث التحديات المشتركة وإيجاد حلول عملية، إلا أن هذا المسار لم يعد قائما في الوقت الراهن.
هل تأثر الاقتصاد الفلسطيني؟
وأكد سنقرط أن استمرار الأزمة يترك تداعيات واسعة على الاقتصاد الفلسطيني والقطاع الخاص، موضحا أن السلطة الفلسطينية والقطاع المصرفي ومؤسسات القطاع الخاص تواصل اتصالاتها مع أطراف دولية، من بينها الولايات المتحدة، للمساعدة في معالجة هذا الملف، نظرا لما قد يترتب عليه من آثار اقتصادية أوسع على المنطقة.
وعن إمكانية التوسع في استخدام عملات أخرى مثل الدولار أو الدينار الأردني، أوضح أن هذا الخيار يحتاج إلى دراسة متأنية، مشيرا إلى أن بعض القطاعات، مثل سوق العقارات، تعتمد بالفعل على الدولار أو الدينار الأردني في معاملاتها، بينما لا تزال غالبية عمليات البيع والشراء اليومية تتم بالشيكل، وهو النمط السائد منذ عام 1967.
وأضاف وزير الاقتصاد الفلسطيني الأسبق أن هذا الخيار محل دراسة من جانب سلطة النقد الفلسطينية والبنوك وعدد من الخبراء وممثلي القطاع الخاص، إلا أنه لم يتم التوصل حتى الآن إلى تصور عملي قابل للتنفيذ.