ثقافة

كتاب "لا أحد ينام في المنامة".. عوالم مدهشة عاشتها العاصمة البحرينية

الأربعاء 2019.2.13 11:57 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 249قراءة
  • 0 تعليق
غلاف كتاب "لا أحد ينام في المنامة"

غلاف كتاب "لا أحد ينام في المنامة"

يكشف كتاب "لا أحد ينام في المنامة"، للناقد البحريني دكتور نادر كاظم، عن عوالم مدهشة عاشتها العاصمة البحرينية، وأصبحت تفتقر إليها الآن، ولا يمكن النظر للكتاب كمرثية لمدينة خليجية، ارتبط تاريخها بالتجارة وعاشت تجربة فريدة للتنوع الثقافي.

ويسعى الكتاب الذي صدر في 415 صفحة من القطع الكبير عن دار سؤال، ووجد إقبالاً لافتاً في معارض عديدة آخرها معرض بغداد للكتاب، إلى تحقيق هدف أبعد كثيراً عن الرثاء، وهو التنبيه لمخاطر التدهور الحضاري والممارسات اليومية المرتبطة بمعنى التحضر.

وينشغل المؤلف بتقصي أسباب التحول ومفارقة المركز والأطراف في بلد له خصوصيته، ويتجاوز الكتاب المدينة إلى تناول ظاهرة الحداثة في المجتمعات الخليجية ذاتها، وهو كتاب يرى صاحبه أنه "مغامرة للذهاب نحو المستقبل أكثر من كونها ذهاباً إلى الماضي".

ويبدو الناقد الثقافي البارز مشغولاً ببناء تفاعلات بين أكثر من منهج نقدي، والتأسيس لنمط جديد في الكتابة عن المدينة التي تتحول في الكتاب إلى جدارية سردية فذة، تحفل بطبقات معرفية مدهشة، تجعل من المؤلف أقرب ما يكون إلى جامع للعوالم أو صائغ فريد يطرز تاريخاً لمدينته لا يخلو من الجواهر. 


ويغامر الكتاب بإعادة تركيب تاريخ للمنامة منذ ظهورها كميناء رئيسي للبحرين في القرن الـ14 الميلادي، باحثاً عن مصائرها المفتوحة في أوعية معلوماتية عدة، بداية من الأرشيفات والوثائق المتعددة، مروراً بالسجلات والنبش في ذاكرة الخرائط الاستعمارية ومدونات الرحلات، وصولاً لتحليل السرديات الروائية التي نشأت حول المدينة، والمرويات الشفاهية كذلك، إضافة لمقابلات أجراها الباحث مع رواة ومؤرخين.

يتضمن الكتاب 4 أقسام رئيسية، تشمل فصولاً متفاوتة الأحجام، تبدأ من ميلاد المنامة كميناء، وتنتهي إلى نشأة السوق الرئيسي في المدينة التي تطورت من قرية صغيرة إلى مدينة ساحلية تعاظم دورها مع ازدهار تجارة اللؤلؤ حول العالم.

ويبني كاظم شغفه بالمدينة استناداً على شغف آخر بسردية روائية شائعة عن الإسكندرية، قدمها الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد، في روايته الشهيرة "لا أحد ينام في الإسكندرية"، التي صدرت في عام 1996، ويتقاطع مع العنوان في نمط فريد من أنماط الاستعارة والاستلهام.

ويشتغل المؤلف على مفارقة ارتباط اسم المنامة المشتق من النوم، ويشير إلى أن التناصّ مع عنوان رواية إبراهيم عبدالمجيد لم يأتِ اعتباطاً، بل كان مقصوداً منذ البداية، لا بحكم التشابه الكبير بين الإسكندرية والمنامة كمدينتين شرقيتين وساحليتين وتجاريتين ومتنوعتين إثنياً ودينياً فحسب، بل بحكم ذلك التشابه الكبير والمذهل في المسار التاريخي للمدينتين اللتين على الرغم من اختلافهما في القدم الحضاري، إلا أنهما عاشتا في المقابل مصيراً حافلاً بالتحولات الأقرب إلى التراجع.


بالطبع لا وجه للمقارنة بين الإسكندرية والمنامة من حيث المساحة وعدد السكان وطبيعة المناخ، ولا من حيث العراقة والامتداد المتطاول في التاريخ، فبينما يؤكد التاريخ القديم عراقة الإسكندرية، تبدو المنامة في المقابل مدينة حديثة النشأة، غير أن كلتيهما تمثلان نموذجاً للمدينة الساحلية التي مثّلت الميناء الرئيسي للبلاد، وكانتا مواقع أساسية في شبكة الرأسمالية الكولونيالية الآخذة في التوسّع آنذاك بين أوروبا والهند والجزيرة العربية وساحل فارس وسواحل أفريقيا الشرقية.

غير أن الأهم من كل هذا، هو أن المسار التاريخي الحديث للمدينتين يكاد يكون متطابقاً على الرغم من بعض الفروقات الطفيفة، فقد مرّت المنامة بالتحولات الكبيرة التي مرّت بها الإسكندرية.

ويبدو لافتاً في الكتاب إقرار مؤلفه بأن الزمن الذي غيّر الإسكندرية غيّر المنامة أيضاً، والأحداث والظروف التي تسببت في هذا التغيير متقاربة جداً: قرار تقسيم فلسطين عام 1947، ونكبة فلسطين وإعلان قيام إسرائيل عام 1948، وتأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

وإذا كانت الإسكندرية قد تخلت عن روحها الكوزموبوليتانية على وقع هذه الأحداث المتتابعة لتتحول إلى مدينة مصرية عربية خالصة، فإن المنامة مرّت بالظروف ذاتها، فقرار تقسيم فلسطين ونكبتها وحرب السويس أحداث مثّلت علامات فارقة في تاريخ المنامة، كما مثّلت انتكاسة كبيرة لروحها الكوزموبوليتانية في سبيل تحويلها إلى مدينة العرب، مدينة القومية العربية، مدينة الهيئة، هيئة الاتحاد الوطني "1954- 1956"، بتوجهاتها الناصرية البارزة، حيث بدأ كثير من اليهود بمغادرة المنامة والبحرين بعد عام 1947، ولم يعد عددهم الآن يتجاوز 36 شخصاً.

 ويعتقد المؤلف أن تحويل المنامة إلى مدينة عروبية استلزم أمرين متشابكين: الأول يتصل بمواجهة الحياة الصاخبة وصناعة الترفيه والتسلية الشبابية التي كانت تميّز منامة الخمسينيات والستينيات بمقاهيها، وسينماتها، والنزعة الاستهلاكية المتصاعدة آنذاك.

أما الأمر الثاني، فيتصل بتسوية التنوعات الإثنية والدينية العريقة في المدينة، فقد كانت الأجواء العدائية تجاه اليهود، والعجم "بحرينيون من أصول فارسية"، والهنود، والمبشرين الأمريكيين، وعموم الأجانب، وطبعاً الإنجليز الاستعماريين، تخيّم على المنامة منذ أواخر الثلاثينيات، وتواصلت حتى مطلع السبعينيات. وخلال هذه السنوات كانت المدينة تتغير، وتفقد أجواء التسامح والحرية والانفتاح التي ميّزتها تاريخياً.

 ومع ذلك، فإن موجة التحرر العالمية التي اجتاحت العالم خلال الستينيات والسبعينيات، وصلت إلى المنامة، وعرفت بفضلها الكثير من الفرق الموسيقية الشبابية المتأثرة بموسيقى الروك آند رول، ومختلف موسيقى البوب العالمية الغربية أو حتى الفارسية.

وقد تكاثر العدد إلى درجة أن البحرين كان بها خلال الثمانينيات، أكثر من 20 فرقة موسيقية مثل أنغام الخليج، والأخوة، والأصدقاء، والسيكس بويز.

لكن  المنامة دخلت في غيمة، كما الإسكندرية تماماً في سلسلة الروايات التي كتبها إبراهيم عبد المجيد مؤرخا لتحولات مدينته، حيث بدأت النقلة الثانية والحاسمة في تاريخ المنطقة بعد الطفرة النفطية التي مثلت عامل التغيير الأكبر، إضافة إلى نمو تيارات الإسلام السياسي، وقد جاءت كل هذه التطورات في سياق النمو العمراني الكبير والمتسارع الذي خنق المدينة القديمة، وابتلع واجهتها البحرية بالكامل بعد أن تحولت هذه الواجهة إلى منطقة جذب لعديد من الاستثمارات والمشاريع الكبرى، من مرفأ البحرين المالي، الذي حل محل فرضة المنامة، إلى خليج البحرين ومجمع الأفنيوز التجاري وجزيرة الريف. 

 ووفقاً للكتاب، لم تكن المنامة بمنأى عن تأثيرات العولمة التي حرّرت الاستثمارات من كثير من القيود والحواجز، كما حرّرت سوق العمل بما فتح الباب واسعاً أمام العمالة الأجنبية غير المدرّبة لتزحف فارضة وجودها المهيمن على الجزء الأكبر من المدينة القديمة وضواحيها، لتفقد المدينة بحسب كاظم"الكثير من روحها العربية وما بقي فيها من روح "كوزموبوليتانية".

 ويشير المؤلف إلى أنه لم يعد أحد ينام في المنامة من سكانها إلا البقية الباقية القليلة والصامدة من أهلها، والجاليات الآسيوية التي حلّت محل أهلها بعد نزوحهم خارجها، بعد أن بدا عليها الكثير من ملامح التقادم والشيخوخة، وأصبحت تكافح من أجل البقاء وهي التي كانت "للبشر من كل الدنيا".

 مؤلف الكتاب الدكتور نادر كاظم هو ناقد بحريني بارز يعمل أستاذاً للدراسات الثقافية بجامعة البحرين، صدرت له كتبًا عدة في النقد الثقافي والفكر الحديث وقراءة التاريخ، آخرها "لماذا نكره" و"المقامات والتلقي"، و"تمثيلات الآخر"، و"الهوية والسرد"، و"طبائع الاستملاك"، و"استعمالات الذاكرة"، و"إنقاذ الأمل"، و"كراهيات منفلتة" و"خارج الجماعة".

تعليقات