اتفاق الميزانية.. هل تنجح ليبيا في تجاوز عقبة «الخزائن المنقسمة»؟
بعد 13 عاماً من التيه المالي والازدواجية المؤسسية التي استنزفت مقدرات الدولة الليبية وأثقلت كاهل المواطنين، خطت البلاد خطوة وُصفت بـ"التاريخية" نحو توحيد خزينة الدولة، في محاولة لإنهاء واحدة من أعقد أزمات الانقسام.
ومع إعلان مصرف ليبيا المركزي اعتماد جداول الإنفاق العام لعام 2026، يبرز تساؤل محوري: هل يمتلك هذا الاتفاق مقومات الصمود أمام تعقيدات المشهد السياسي وتقلبات أسواق الطاقة؟.
اختبار للثقة
واعتبر مصرف ليبيا المركزي أن هذا التوافق يمثل "محطة مفصلية" للاقتصاد الوطني، مؤكداً أن بناء إطار مالي يستند إلى القدرة الفعلية للدولة سيعزز الاستدامة المالية ويرسخ التنمية المتوازنة.
وسرعان ما انعكست أصداء هذا الإعلان على الأسواق المحلية، حيث شهد الدينار الليبي تحسناً ملحوظاً، وتراجع سعر صرف الدولار في السوق الموازي ليصل إلى 6.90 دينار، في مؤشر يعكس حالة من التفاؤل الحذر لدى الشارع الليبي.
رهانات الاستدامة
يرى علي الفارسي، محلل أسواق الاقتصاد والطاقة بمركز السياسات الأوروبية، أن العبرة تكمن في "الاستمرار" وليس مجرد التوقيع. مؤكداً أن شروط النجاح تتضمن تحقيق التنمية المتوازنة، إذ يجب ألا يغفل الاتفاق بند التنمية والمشاريع الإنتاجية في الشرق والجنوب، مستفيداً من حالة الاستقرار الأمني التي وفرتها القوات المسلحة، والتي عززت دور قطاع الطاقة ورفعت الناتج المحلي.
ودعا الفارسي في تصريحات لـ"العين الإخبارية" إلى ضبط الموازنة عند سعر تعادل 50 دولاراً للبرميل، كإجراء احترازي ضد تقلبات أسعار النفط العالمية، خاصة مع التغيرات في الاستراتيجيات الدولية تجاه إمدادات الطاقة.
وحذر من أن توحيد الإنفاق دون استدامة قد يوسع فجوة العجز، مشبهاً الوضع بتجربة العراق التي عجزت عن موازنة الإنفاق مع الإيرادات، مؤكداً أن قوة الدينار لا تعتمد على حجم الإنفاق، بل على سياسة نقدية متزنة تحجم المصاريف وتعظم الإيرادات النفطية لخلق استثمارات بديلة.
الإرادة والضمان
من جانبه، يربط الخبير الاقتصادي أنور ياسين نجاح هذه الخطوة بالإرادة السياسية التي قادها المجلس الرئاسي الليبي، معتبراً أن ما تحقق هو "انتصار اقتصادي" يضع حجر الأساس لدولة القانون.
وأوضح أن الاتفاق هو بداية لحزمة إصلاحات تشمل توحيد سعر الصرف نهائياً، وإعادة هيكلة الدعم لضمان وصوله إلى مستحقيه، ومكافحة الفساد المؤسسي.
وأشار ياسين إلى جهود "اللجنة العليا للخبراء الاقتصاديين" التي شكلها المجلس الرئاسي الليبي، كنموذج متقدم للحوكمة التي تتسم باستقلالية القرار وتكامل الأدوار، مما ساهم في تقليص الفجوة بين أسعار الصرف النقدية والصكوك، وهو ما قد يمثل أحد ضمانات الاستمرار.
قناة مالية موحدة
بالتوازي مع هذا المسار، شدد محمد المنفي على ضرورة اعتماد "قناة مالية واحدة" كشرط لا غنى عنه للاستقرار النقدي، محذراً من أن تعدد القنوات المالية يهدد ديمومة الاتفاق.
وفي تناغم سياسي لافت، رحب عقيلة صالح بالخطوة، معتبراً إياها وسيلة لترسيخ الانضباط المالي بعيداً عن التدخلات الخارجية.
الرقابة الدولية
دولياً، لا يزال الدعم يمثل عاملاً مهماً في دفع الاتفاق نحو النجاح، حيث حثت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الأطراف الليبية على ضمان التنفيذ الفعال، وفرض رقابة صارمة على الإنفاق العام بما يتماشى مع المعايير الدولية والتشريعات الليبية.
كما برز الدور الأمريكي كـ"محرك خلف الستار"، من خلال دعم وزارة الخزانة الأمريكية، والوساطة التي قادها مسعد بولس لتذليل العقبات السياسية التي أوصلت الليبيين إلى هذا الاتفاق.