«المانشسترية».. الفلسفة الاقتصادية لـ «بيرنهام» بين الماضي والحاضر
تولى آندي بيرنهام منصب رئيس وزراء بريطانيا هذا الأسبوع، متعهداً بتطبيق البرنامج الاقتصادي الذي يطلق عليه اسم «المانشسترية».
فما هي هذه الفلسفة الاقتصادية الخاصة به؟ والمانشسترية مصطلح ذو تاريخ طويل، يمثل من نواحٍ عديدة نقيضًا لما يدّعي بورنام أنه يعنيه اليوم.
وفي مقابلة مع مجلة "فورين بوليسي" تحدث الصحفي آدم توز عن مدرسة مانشستر الأصلية في الاقتصاد، ولماذا تطورت في مانشستر أساسًا.
وقال إن مانشستر الواقعة في شمال غرب إنجلترا كانت في القرن التاسع عشر موقعًا تاريخيًا عالميًا وكانت المدينة الأبرز بلا منازع في الثورة الصناعية.
مدينة مانشستر كانت أول نتاج خالص حقًا للتحديث الصناعي، والذي ترتب عليه زيادة عدد السكان من 10 آلاف نسمة عام 1717 إلى 25 ألفًا عام 1773 ثم 70 ألفًا عام 1801. ثم وصل الرقم إلى 300 ألف بحلول عام 1851.
مدينة الصدمة
مثّلت مانشستر في القرن التاسع عشر مركزًا للثورة الصناعية و«مدينة الصدمة» التي أعادت تشكيل الاقتصاد والسياسة الحديثة.
فإلى جانب احتضانها تطورات صناعية كبرى، مثل المحرك البخاري والكيمياء الحديثة، أصبحت ساحة للصراع حول مستقبل بريطانيا مع توسع حق الاقتراع.
في مانشستر برزت الحركة التشارتية كأول حركة سياسية تمثل الطبقة العاملة وتطالب بالاقتراع العام، بينما خاضت البرجوازية الصناعية مواجهة مع الأرستقراطية المالكة للأراضي، التي فرضت رسومًا مرتفعة على واردات الحبوب بعد الحروب النابليونية.
ورأى الصناعيون أن ارتفاع أسعار الغذاء يرفع الأجور ويضغط على أرباحهم، ما دفعهم إلى قيادة حركة مناهضة قوانين الذرة، التي تأسست في مانشستر عام 1837، وأصبحت منطلقًا لترسيخ مبادئ التجارة الحرة ومعارضة الحمائية وتدخل الدولة بين أواخر ثلاثينيات القرن التاسع عشر وعام 1848.
وفي ستينيات القرن نفسه، صاغ الاشتراكي الألماني فرديناند لاسال مصطلح Manchestertum لوصف النسخة الأكثر تطرفًا من الليبرالية الاقتصادية والتجارة الحرة، ليصبح اسم «المانشسترية» لاحقًا مرادفًا لهذا التوجه الفكري.
تذبذب في المكانة الاقتصادية
اقتصاديًا، شهدت مانشستر تحولًا من كونها القلب الصناعي لبريطانيا إلى إحدى أكبر ضحايا تراجع التصنيع خلال القرن العشرين.
فمع انتقال النشاط الاقتصادي تدريجيًا إلى لندن، تركزت الاستثمارات والوظائف والقرار الاقتصادي في العاصمة، بينما فقدت المدن الصناعية التقليدية، وعلى رأسها مانشستر، مكانتها التاريخية.
وبلغ عدد سكان المدينة ذروته عند 766 ألف نسمة عام 1931، قبل أن تبدأ في الانكماش مع انتقال صناعة المنسوجات والوظائف الصناعية إلى دول منخفضة التكلفة، لتصبح في السبعينيات والثمانينيات نموذجًا بارزًا لإزالة التصنيع وما صاحبها من تراجع اقتصادي
لكن منذ الثمانينيات بدأ تحول جديد مع تبني سياسات اللامركزية ومنح المدن الكبرى صلاحيات اقتصادية أوسع، ما أعاد لمانشستر دورها كمحرك للنمو خارج لندن.
وبفضل إعادة تطوير بنيتها الحضرية، واستقطاب الاستثمارات، وتنويع اقتصادها بعيدًا عن الصناعة التقليدية نحو الخدمات والاقتصاد الحضري، أصبحت مانشستر بحلول العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين واحدة من أكبر المناطق الاقتصادية في بريطانيا، ويقترب عدد سكان منطقتها الحضرية من ثلاثة ملايين نسمة، لتبرز كأهم مركز اقتصادي خارج العاصمة.
وقال المحلل البريطاني إنه ليس من قبيل المصادفة صعود بوريس جونسون، الذي كان عمدة لندن، وبيرنهام، الذي كان عمدة مانشستر، إلى رئاسة الوزراء.
وهذه ظاهرة جديدة في أوائل القرن الحادي والعشرين، فقد كان انتقال السياسيين المحليين إلى مواقع النفوذ الوطني أكثر شيوعًا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، لكنه عاد اليوم كظاهرة جديدة.
وليس من قبيل المصادفة أيضًا أن تكون مانشستر هي الوسيلة لذلك. فإذا كنت تبحث عن قاعدة قوة بديلة داخل المملكة المتحدة ليست في اسكتلندا، فستكون مانشستر هي الخيار الأكثر وضوحًا.
مانشسترية بيرنهام
ويرى آدم توز أن «المانشسترية» التي يطرحها بيرنهام لا تمثل إحياءً للفكر الاقتصادي الذي اشتهرت به مانشستر في القرن التاسع عشر، بل إعادة تعريف له.
فالرجل، الذي تشكل وعيه السياسي في ظل حقبة مارغريت تاتشر، ينتمي إلى جيل تأثر بآثار الخصخصة وتراجع دور الدولة، رغم أنه بدأ مسيرته داخل حزب العمال خلال عهد توني بلير وكان مقربًا من دائرة بلير وغوردون براون. ويصفه توز بأنه سياسي براغماتي قادر على تبني هويات سياسية متعددة، من بينها تقديم نفسه باعتباره «ابن مانشستر» والمدافع عن مصالحها.
لكن البعد الفكري في مشروعه أكثر أهمية؛ إذ يستند، بحسب توز، إلى مبادئ التعليم الاجتماعي الكاثوليكي، الذي يوازن بين اقتصاد السوق والعدالة الاجتماعية، وهو ما يجعله أقرب إلى تيار الديمقراطية الاجتماعية الأوروبي، على غرار رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ونظرائه في البرتغال.
واقتصاديًا، يحمّل بيرنهام سياسات تاتشر والمحافظين مسؤولية تفكيك العقد الاجتماعي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، ويرى أن أزمة غلاء المعيشة الحالية هي امتداد لذلك التحول.
ومن ثم، فإن «المانشسترية» الجديدة لا تدعو إلى تحرير الأسواق وتقليص دور الدولة كما فعلت المدرسة التاريخية، بل تسعى إلى بناء نموذج تنموي أكثر توازنًا، يمنح الدولة والحكومات المحلية دورًا أكبر في دعم النمو، وتقليص الفوارق الإقليمية، وإعادة توزيع ثمار التنمية.
وكان بيرنهام قد اختتم أسبوعه الأول في المنصب بإطلاق سلسلة من الخطوات التي تعكس رؤيته الاقتصادية القائمة على اللامركزية، أبرزها افتتاح مكتب حكومي جديد في مانشستر يحمل اسم «داونينغ ستريت 10 – الشمال»، حيث يعتزم العمل يومًا واحدًا أسبوعيًا.
ويهدف المكتب إلى نقل جزء من عملية صنع القرار الاقتصادي من لندن إلى شمال إنجلترا، وعقد اجتماعات المجلس الاقتصادي الوطني بمشاركة رؤساء البلديات لوضع سياسات تنموية أكثر توازنًا بين الأقاليم.
وبينما اعتبرت المعارضة هذه الخطوة مجرد استعراض سياسي، يرى بيرنهام أنها تمثل بداية لإعادة توزيع السلطة والاستثمارات وإنهاء هيمنة وايتهول (لندن) على القرارات الاقتصادية.