المشاريع الصغيرة والمتوسطة.. رافعة لنمو العراق
في خطوة تستهدف تنشيط الاقتصاد المحلي وتعزيز دور القطاع الخاص، أعلن البنك المركزي العراقي الخميس الموافق 9 يوليو/تموز الجاري عن حزمة جديدة من المبادرات التنموية، أبرزها رفع سقف تمويل المشاريع الصغرى والصغيرة والمتوسطة.
كما شملت الحزمة؛ تخفيف شروط الإقراض وتوسيع دائرة المصارف المشاركة في المبادرة، في إطار استراتيجيته للإقراض المصرفي (2024-2029).
ويرى خبراء اقتصاديون أن القرار يمثل تحولاً في استخدام أدوات السياسة النقدية لدعم النمو الاقتصادي، وليس مجرد زيادة في حجم التمويل، مؤكدين أن نجاحه يعتمد على سرعة التنفيذ وكفاءة المصارف في إيصال التمويل إلى مستحقيه.
ما الذي تغير في سقف التمويل؟
بحسب بيان البنك المركزي، فإن التغيير الأساسي يتمثل في زيادة سقف مبادرة تمويل المشاريع الصغرى والصغيرة والمتوسطة عبر تعزيز سيولة المصارف، بما يسمح بتمويل عدد أكبر من المشاريع ورواد الأعمال، إلى جانب اعتماد ضوابط جديدة لتخفيف شروط الاقتراض وتبسيط إجراءات الحصول على القروض.
كما أعلن البنك عن توسيع عدد المصارف المشاركة في تنفيذ المبادرة، واعتماد آليات جديدة لتسريع دراسة طلبات التمويل وتقديم الدعم الفني للمستفيدين.
ومن المقرر أن تبدأ المصارف بتطبيق الضوابط الجديدة بعد استكمال التعليمات التنفيذية التي سيصدرها البنك المركزي خلال الفترة المقبلة.
لماذا اتخذ البنك المركزي هذه الخطوة الآن؟
ويرى الخبير الاقتصادي والأستاذ المتخصص في هذا المجال بكلية الإمام الكاظم في بغداد، أحمد عباس البطاط، أن القرار يأتي في توقيت اقتصادي مهم، إذ يسعى العراق إلى تقليل اعتماده على الإيرادات النفطية وتحفيز القطاعات الإنتاجية.
ويقول البطاط في حديثه لـ "العين الإخبارية"، إن البنك المركزي بدأ يتحول تدريجياً من الاكتفاء بالحفاظ على الاستقرار النقدي إلى استخدام أدوات السياسة النقدية لدعم النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل، لافتاً إلى أن تمويل المشاريع الصغيرة يعد من أكثر الأدوات فاعلية في تحريك الاقتصاد المحلي.
ويلفت البطاط إلى أن القرار ينسجم مع توجه الحكومة نحو تنمية القطاع الخاص، موضحاً أن السوق العراقي ما زال يعاني من فجوة تمويلية كبيرة، خصوصاً بالنسبة للمشاريع الناشئة التي تواجه صعوبة في الحصول على التمويل المصرفي.
وقال إن التغيير الجوهري يكمن في زيادة الضخ المالي (تعزيز سيولة المصارف) وتوسيع السقوف الائتمانية المتاحة لإقراض المشاريع الصغرى والصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى مشاريع الطاقة المتجددة. ترافق ذلك مع إدخال "ضوابط وآليات جديدة" لتخفيف الشروط وتوسيع شبكة المصارف المشاركة لتسريع التنفيذ.
ويرى البطاط أن القرار دخل حيز التنفيذ الفوري من تاريخ إعلانه (يوليو/تموز 2026) عبر توجيه الكتلة النقدية للمصارف المؤهلة، وهذا التغيير سينقل المبادرات من صيغة القروض المحدودة إلى صيغة "التيسير الائتماني الواسع"، مما يقلص البيروقراطية المصرفية السابقة التي كانت تعيق تدفق هذه الأموال.
- مطار الموصل الدولي.. رهان العراق لإحياء اقتصاد نينوى وربطها بالعالم
- أنبوب البصرة–العقبة.. العراق يبحث عن منفذ نفطي على البحر الأحمر
من هم المستفيدون؟
وتشير التعليمات المعلنة إلى أن الفئات المستهدفة تشمل "أصحاب المشاريع الصغرى والصغيرة والمتوسطة، ورواد الأعمال والشباب الراغبين في تأسيس مشاريع جديدة، والمشاريع الإنتاجية والخدمية، والمشاريع الصناعية والزراعية، والمشاريع التجارية التي تضيف قيمة للاقتصاد المحلي، ومشاريع الطاقة المتجددة، ولاسيما منظومات الطاقة الشمسية، والمواطنين والمؤسسات الراغبة في الاستثمار في الطاقة النظيفة".
ويقول الخبير المصرفي علي دعدوش لـ "العين الإخبارية"، إن توسيع قاعدة المستفيدين يمثل أحد أهم عناصر المبادرة الجديدة، مشيراً إلى أن تسهيل شروط الإقراض سيمنح آلاف المشاريع التي كانت تواجه صعوبات في الحصول على التمويل فرصة للدخول إلى السوق.
ويرى أن المشاريع الصغيرة تمثل العمود الفقري لاقتصادات العالم، إذ تستحوذ في كثير من الدول على أكثر من 90% من عدد الشركات، وتسهم بنسبة كبيرة في الناتج المحلي وفرص العمل.
وأوضح أن "توسيع التمويل يمكن أن ينعكس مباشرة على خلق فرص عمل جديدة، وزيادة الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، ودعم الصناعات الوطنية، وتنشيط الاقتصاد المحلي في المحافظات".
لكنه يشدد على ضرورة توجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والزراعة والصناعات الغذائية والدوائية، بدلاً من تمويل الأنشطة الاستهلاكية.
ورغم أهمية القرار، يرى خبراء أن رفع سقف التمويل وحده لا يكفي، حيث يشير الخبير المصرفي علي دعدوش، إلى أن بعض المشاريع تحتاج إلى تمويل أكبر مما كان متاحاً سابقاً، خاصة بعد ارتفاع تكاليف المعدات والمواد الأولية بفعل التضخم، لكنه يؤكد أن الأهم هو ضمان استخدام الأموال في المشروع نفسه.
ويقترح اعتماد آلية "التمويل عبر سلسلة التجهيز"، بحيث لا تُسلّم الأموال نقداً للمقترض، وإنما تُحوّل مباشرة إلى الشركات المجهزة للمعدات والآلات، وهو ما يقلل من احتمالات إساءة استخدام القروض.
دروس من المبادرات السابقة
من جانبها، قالت الخبيرة الاقتصادية منار الربيعي لـ "العين الإخبارية"، لقد واجهت المبادرات التمويلية خلال السنوات الماضية عدداً من العقبات، أبرزها "صعوبة توفير الضمانات، وتعثر بعض المشاريع، واستخدام وثائق مزورة، ووجود مشاريع وهمية، وبطء الإجراءات المصرفية، وضعف متابعة المشاريع بعد منح التمويل".
وترى الربيعي أن هذه التجارب تفرض ضرورة تشديد الرقابة على منح القروض، مع تقديم الدعم الفني والاستشاري للمستفيدين لضمان نجاح المشاريع واستمرارها.
وقالت إن "سبب فشل المبادرات السابقة من قبل الحكومات بعد عام 2003، كانت بسبب بطء الإجراءات في بعض المصارف، وضعف الثقافة المصرفية لدى أصحاب المشاريع، وعدم الرقابة على استخدام القروض في الأغراض المخصصة، وضمان وصول التمويل إلى المشاريع الحقيقية بعيداً عن الاستغلال أو التعثر".
الضمانات.. العقبة الأكبر
ولا تزال الضمانات تمثل أحد أكبر التحديات أمام الشباب الراغبين في تأسيس مشاريعهم، بحسب الربيعي، مشيرة إلى أن كثيراً من الشباب لا يمتلكون عقارات يمكن رهنها، كما أن عدداً كبيراً من الموظفين الذين يمكن أن يقدموا كفلاء لديهم التزامات مالية وقروض قائمة.
لذلك تدعو الربيعي المختصون إلى توسيع دور شركات الضمان والتأمين الائتماني، بما يقلل المخاطر على المصارف ويمنح الشباب فرصاً أكبر للحصول على التمويل.
هل تنجح المبادرة؟
ولفتت إلى أن نجاح المبادرة الجديدة سيعتمد على 4 عوامل رئيسية "تبسيط إجراءات الإقراض، وتوجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية، وتعزيز الرقابة والمتابعة بعد منح القروض، وتطوير البيئة القانونية لاسترداد الديون المتعثرة وحماية أموال المبادرات".
وتؤكد أن تحويل القروض إلى مشاريع منتجة ومستدامة سيعني خلق فرص عمل حقيقية، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي، وتقليل الاعتماد على الوظائف الحكومية، وهو ما يتوافق مع أهداف الإصلاح الاقتصادي في العراق.
وتقول يمثل قرار البنك المركزي العراقي برفع سقف تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة خطوة مهمة في مسار الإصلاح الاقتصادي، ورسالة واضحة بأن التنمية لم تعد مسؤولية السياسة المالية وحدها، بل أصبحت السياسة النقدية شريكاً رئيسياً في تحفيز الاستثمار والإنتاج.
وتابعت أن قرار البنك المركزي العراقي رفع سقف تمويل المشاريع الصغرى والصغيرة والمتوسطة وتطوير مبادرات الإقراض التنموي جاء استجابة لجملة من التحديات الاقتصادية التي يواجهها العراق، وفي مقدمتها اتساع فجوة التمويل أمام القطاع الخاص، وارتفاع معدلات البطالة، والحاجة إلى تنويع مصادر الدخل بعيداً عن الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط.
وتؤكد أن الاقتصاد العراقي يعاني منذ سنوات من ضعف مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي، مقابل هيمنة الإنفاق الحكومي واعتماد شريحة واسعة من المواطنين على الوظائف الحكومية، وهو نموذج أصبح أقل قدرة على استيعاب الزيادة السنوية في أعداد الداخلين إلى سوق العمل.
كيف يدعم القرار الاستثمار والتوظيف؟
يرى المختصون أن زيادة التمويل ستنعكس على عدة مستويات اقتصادية. فبحسب الخبير الاقتصادي صفوان قصي، فإن كل مشروع صغير يحصل على التمويل يخلق سلسلة من الأنشطة الاقتصادية، تبدأ بزيادة الطلب على المواد الأولية، مروراً بتشغيل العمالة، وصولاً إلى تنشيط الأسواق المحلية وتقليل اعتماد الشباب على التوجه نحو التوظيف الحكومي.
ويضيف في حديثه لـ "العين الإخبارية"، أن المشاريع الصغيرة تعد من أكثر القطاعات قدرة على خلق فرص العمل، لأنها تعتمد على كثافة العمالة أكثر من اعتمادها على رأس المال، وهو ما يجعلها أداة فعالة لمعالجة البطالة، خاصة بين الشباب.
كما يتوقع أن يؤدي توسيع التمويل إلى زيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي، وتقليل الضغط على القطاع الحكومي باعتباره المشغل الأكبر للقوى العاملة.
ويقول إن العراق يمتلك آلاف المشاريع الصغيرة القادرة على النمو، لكنها كانت تعاني من نقص التمويل وتعقيد الإجراءات المصرفية والفساد المالي والإداري.
ويضيف أن نجاح المبادرة يتطلب إشراك عدد أكبر من المصارف في المبادرة سيزيد المنافسة بينها، ما ينعكس على تحسين الخدمات وتقليص مدة الحصول على التمويل.
التحول نحو الاقتصاد الأخضر
ولم يقتصر إعلان البنك المركزي على المشاريع الصغيرة، بل شمل أيضاً تطوير مبادرة تمويل مشاريع الطاقة المتجددة، بهدف دعم التحول نحو الاقتصاد الأخضر.
ويرى صفوان قصي أن تمويل منظومات الطاقة الشمسية سيسهم في "تخفيف الضغط على شبكة الكهرباء الوطنية، وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي، وخفض كلف الإنتاج على المشاريع، وتقليل الانبعاثات الكربونية، وتشجيع الاستثمار في قطاع الطاقة النظيفة".