اقتصاد

حرب التجارة وتعطل قاطرات النمو العالمي

الجمعة 2019.1.4 05:16 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 394قراءة
  • 0 تعليق
مجدي صبحي

بمضي الوقت يتأكد أكثر احتمال تسجيل العديد من الاقتصادات في العالم معدلات نمو منخفضة خلال العام الحالي، وهو ما أصبح هاجسا مسيطرا على الأسواق المالية في مختلف أرجاء العالم خلال الأسابيع الأخيرة. ولكن ربما الأكثر أهمية في هذا السياق وهو ما لم يلق عناية كاملة حتى الآن هو أن هذا التباطؤ أو الركود سيأتي في حال حدوثه متزامنا في جميع اقتصادات العالم، خاصة الكبيرة منها، كون المؤثرات التي تكمن وراءه هي المنازعات التجارية والسياسات النقدية لا سيما في بلد مهم كالولايات المتحدة. وحدوث حالة التباطؤ أو الركود بشكل متزامن سيعني أن الخروج من هذه الحالة سيصبح أصعب، وربما تتحول هذه الحالة إلى حالة ممتدة في الزمن. وربما الأكثر أهمية هو أن الأدوار التي لعبتها الولايات المتحدة والصين على مدار ربع القرن الماضي في التغلب على الأزمات المالية الدولية لن تكون متاحة، مع تحول البلدين بنزاعهما التجاري ليصبحا هما مصدر التهديد الأساسي بتعمق الأزمة واستمرارها.

حرب التجارة الصينية الأمريكية إذا لن تؤدي إلى التأثير على العالم سلبا بالمعنى المباشر أي بخفض مستوى التجارة والنمو في العالم فقط، ولكنها تحرم العالم أيضا من أدوات مهمة كان يعتمد عليها في الخروج من أزماته

دور مهم للاقتصاد الأمريكي

في تاريخ الأزمات التي شهدتها أقاليم متعددة من العالم خلال ربع القرن الماضي على الأقل، نجد أنه رغم عمق وقسوة بعض هذه الأزمات، فإن تحقيق بعض البلدان (خاصة البلدان ذات الوزن الثقيل) انتعاشا اقتصاديا في ذات الوقت أدى إلى تسهيل الخروج من هذه الأزمات بسرعة وبتكلفة لا تكاد تذكر على بقية أرجاء العالم. وقد لعبت الولايات المتحدة بوجه خاص خلال فترة حكم الرئيس كلينتون 1993-2000 دورا مهما كقاطرة للاقتصاد العالمي، إذ كانت أكبر بلد مستورد في العالم، كما كان السوق الأمريكي في ذلك الوقت يعد الأكثر انفتاحا على العالم مقارنة بدول العالم المتقدمة الأخرى. وعلى الرغم من حجم وأهمية اقتصادات أخرى مثل أوروبا الموحدة أو اليابان، فإنها كانت تمر هي الأخرى بمرحلة تباطؤ في النشاط الاقتصادي أو ركود شغل أغلب سنوات التسعينيات. وقد أدى ذلك إلى لعب الاقتصاد الأمريكي آنذاك دور قاطرة الاقتصاد العالمي بشكل شبه منفرد، خاصة في ظل تفجر عدد من الأزمات المالية والاقتصادية الدولية مثل الأزمة المكسيكية عام 1994، والآسيوية عام 1997، والروسية عام 1998، والبرازيلية عام 2000، حيث كان انفتاح الاقتصاد الأمريكي وكبر حجم السوق من أهم الأسباب التي يذكرها المحللون الاقتصاديون وراء الخروج بسرعة من هذه الأزمات، وعدم تحولها إلى أزمات عالمية كبرى.

وقد بينت دراسة لصندوق النقد الدولي بعنوان "أثر النمو الاقتصادي الأمريكي على النمو في بقية أرجاء العالم"، نشرت عام 2001، أن الولايات المتحدة تعد قاطرة الاقتصاد الدولي، وذلك بمعنى محدد هو ارتباط الناتج والنمو في الولايات المتحدة على نحو وثيق ببقية اقتصادات العالم، وأن اتجاه النمو في الاقتصاد الأمريكي بدا مؤثرا بشدة على اتجاهات النمو في بلدان العالم الأخرى.

ومن بين القنوات التي انتقل عبرها هذا التأثير كانت قناة التجارة التي تعد هي الأكثر مباشرة وأهمية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر في صورة زيادة في مساهمة صافي الصادرات على النمو في بلدان العالم، علاوة على أهمية التجارة في عملية نقل التكنولوجيا ودورها في إعطاء دفعة للإنتاجية. أما القناة الثانية المهمة فهي تلك التي تنشأ من الروابط المالية، حيث لعبت الاستثمارات الأمريكية المباشرة وغير المباشرة دورا كبيرا ومتزايدا في التدفقات المالية الدولية.

وأظهرت دراسة صندوق النقد الدولي، المشار إليها، الدور الملموس للولايات المتحدة كشريك تجاري لبلدان العالم الأخرى، وقدمت الدلائل على أن معدلات نمو بلدان العالم تتأثر بشدة بالنمو في اقتصادات شركائهم التجاريين. ولذا كان الدور الأمريكي كشريك تجاري عالمي يمكنه أن يتضمن تأثيرات عديدة على معدلات نمو بلدان العالم الأخرى، شاملا في ذلك عددا من التأثيرات المباشرة من خلال التجارة، وكذلك الروابط المالية الوثيقة التي قد ترتبط بالاندماج التجاري الأقوى.

ولنا فقط أن نقارن هذا التاريخ بالنزوع الآن نحو الحماية التجارية في الولايات المتحدة، وهو ما يعمل أولا على زيادة فرص وقوع أزمات في العالم كله، ثم هو ثانية يغلق قناة مهمة هي قناة التجارة التي تم عن طريقها، في الكثير من الأحيان، التخلص بسرعة نسبيا من الأزمات (باستثناء أزمة عام 2008 بالطبع التي كان مركزها الولايات المتحدة نفسها) والحيلولة دون تعمقها وانتشارها لتتحول لأزمات عالمية كبرى.

دور صيني مهم

وعلى حين كان دور الولايات المتحدة مع المؤسسات المالية الدولية لا سيما في حالة الأزمة الآسيوية عام 1997 مباشرا، فقد لعبت الصين دورا غير مباشر في التخلص من هذه الأزمة عبر تثبيت سعر صرف عملتها وعدم الاتجاه لتخفيض هذا السعر. هذا في الوقت الذي انخفضت فيه أسعار صرف معظم دول الأزمة، مثلما حدث في كوريا الجنوبية وتايلاند وإندونيسيا انخفاضا شديدا تحت تأثير الأزمة، وقد سمح هذا المسلك الصيني بإتاحة فرصة أكبر أمام البلدان المأزومة في زيادة صادراتها بنسب كبيرة والتغلب على أزماتها خلال فترة تقل عن العامين، بعد أن كان العديد من الاقتصاديين يرون أن الأزمة قد تستمر في هذه البلدان لسنوات طويلة. وكان هذا المسلك مصدرا لتحية وإكبار الصين من قبل دول الأزمة، بل ومن الدول الكبرى والمؤسسات المالية الدولية.

وكان الدور الصيني مهما بشدة عند اندلاع الأزمة المالية العالمية في عام 2008، فقد اندلعت الأزمة بداية في الولايات المتحدة إلا أنها سرعان ما انتشرت إلى بلدان أوروبا وأجزاء واسعة من العالم. وفي وسط هذه الأزمة كانت بعض البلدان الأوروبية والمؤسسات المالية الدولية في حاجة إلى تمويل ضخم وعاجل للتدخل لإنقاذ الاقتصادات التي تعاني من مشكلات مالية. وكان من الطبيعي أن يتجه العالم إلى الدول التي تحقق فوائض كبيرة في موازين مدفوعاتها من أجل تحقيق هدفه، ولم يكن هناك من هو أكثر تحقيقا لهذه الفوائض آنذاك من بلد مثل الصين، حيث كانت تحتل -عند وقوع الأزمة- المرتبة الأولى عالميا في حجم الاحتياطيات الدولية المتوفرة لديها التي فاقت 2.5 تريليون دولار. إذ كانت البلدان المتقدمة، خاصة الأوروبية أعضاء منطقة اليورو، بحاجة لخطط إنقاذ مالي وبتقديرات تصل إلى مئات المليارات من الدولارات. فقد تدخل صندوق النقد الدولي لإنقاذ اليونان وأيرلندا، وكان يعد العدة للتدخل في البرتغال وإسبانيا. وكان من اللافت للنظر موقف دول أوروبية مثل اليونان والبرتغال في بداية شهر نوفمبر 2010، حينما قامت بشكل ظاهر بخطب ود بكين عند زيارة الرئيس الصيني لها من أجل التدخل لإنقاذها بشراء سنداتها العامة.

يضاف إلى هذا ما شهده الاقتصاد الصيني من تحول خلال العقد الماضي ليصبح معتمدا أكثر على الاستهلاك المحلي والتطوير الداخلي كسبيل للنمو الاقتصادي، وهو ما أدى إلى نمو واردات الصين من الخارج بمعدلات تتجاوز معدلات نمو صادراتها. إذ يقدر أن الفائض في الحساب الجاري الصيني خلال العام الماضي لن يتجاوز 1% من الناتج المحلي الإجمالي، بعد أن كان يسجل ما يصل إلى 10% من هذا الناتج منذ عقد واحد، وليس أدل على ذلك من أن البلدين الأكثر تحقيقا لفوائض في حساباتهما الجارية في العالم وهما ألمانيا واليابان يعتمدان بشدة على التصدير للسوق الصيني. وكان البلدان قد حققا معدلات نمو منخفضة بشدة خلال الربع الثالث من العام الماضي بتأثير انخفاض صادراتهما للصين، وذلك مع نشوب الحرب التجارية بين واشنطن وبكين في بداية الصيف الماضي.

حرب التجارة الصينية الأمريكية إذا لن تؤدي إلى التأثير على العالم سلبا بالمعنى المباشر أي بخفض مستوى التجارة والنمو في العالم فقط، ولكنها تحرم العالم أيضا من أدوات مهمة كان يعتمد عليها في الخروج من أزماته. وقد يؤدي ذلك كما ذكرنا في البداية إلى تعمق حالة تباطؤ الاقتصاد أو الركود وانتشارها عالميا، كما قد تكون هذه الحالة ممتدة مع تعطل القاطرات التي يمكنها جر العالم بعيدا عن طريق الأزمة.


الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات