ثقافة

الأديب الصيني مو يان لـ"العين الإخبارية": قرأت لنجيب محفوظ وجمال الغيطاني

الأربعاء 2018.10.31 01:18 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 193قراءة
  • 0 تعليق
الروائي الصيني مو يان على منصة معرض الجزائر للكتاب 2018

الروائي الصيني مو يان على منصة معرض الجزائر للكتاب 2018

وسط حضور كثيف من جمهور معرض الجزائر الدولي للكتاب، تحدث، الثلاثاء، الأديب الصيني الحائز على نوبل مو يان، عن شغفه بالأدب وحياته وطفولته ورؤيته للعالم والريف كمسرح للأعمال وعوالمه المتخيلة إلى محبيه من الصينيين المقيمين بالجزائر وعشاق أدبه المترجم من القراء في العالم العربي وحشد الصحفيين والإعلاميين العرب.

أدار الجلسة الناقد الأدبي أمزيان فرحاني، الذي قدم تساؤلات بالفرنسية حول أدب مو يان، بينما قدم الصحفي حميد عبدالقادر تساؤلات للروائي مويان بالعربية، وكان حلقة الوصل بين جمهور الندوة وصاحب رواية "الذرة الرفيعة الحمراء" المترجم والناشر أحمد سعيد، مؤسس "بيت الحكمة" المتخصصة في ترجمة الأدب الصيني للعربية، الذي استطاع ببراعة وطلاقة في اللغة الصينية أن يكسر الحاجز اللغوي بين الجمهور والأديب الكبير.

بدا مو يان صاحب "الحلم والأوباش" متواضعا متشوقا لتساؤلات جمهوره العربي، وأعلن في بداية الندوة عن أن "الجزائر أول دولة في القارة الأفريقية يقوم بزيارتها"، لافتا إلى انبهاره بطبيعتها الخلابة وسحر جبالها، ولم يستبعد أن يظهر أحد معالم الجزائر في رواياته القادمة.

في البداية تحدث مو يان عن نفسه وكيف أن أمه منحته ذلك الاسم المستعار "مو يان" أي "الصامت" الذي لا يتحدث، لأنه لم يكن يتحدث كثيرا، لكنه تدارك صمته الدائم بالكتابة، ومن خلالها حاول أن يشبع رغبته العارمة في الحكي والقص.

يروي مو يان: "أنا مجرد طفل في قرية صغيرة لم أتمكن من استكمال دراستي إلا للصف الخامس فقط، وترعرعت على قصص كبار السن من حولي، جدي وجدتي وأمي، في الوقت الذي كان فيه أقراني من الأطفال يتعلمون بالمدارس، لكنني عشت في عالم كبير من كبار السن وعالم من القصص الأسطورية والتاريخية التي شكلت وجداني، وأدين لها بحسي الأدبي، لم أتصور أن ينسج عالمي هذا مستقبلي ككاتب وروائي"، وبروح دعابة قال: "لكنني لا أشجع الأطفال على عدم الذهاب إلى المدرسة".

يعتقد مو يان أن الأدب والروايات هما محض خيال؛ لذا يستعين الكاتب بالأحداث الحقيقية التاريخية، ليحولها لأحداث خيالية تثير القارئ وتعينه على التأمل من حوله.

يقول: "في أعمالي الأدبية دائما ما أظهر مكانا من قرية كاومي، التي ولدت ونشأت فيها، والتي شكلت وعيي بالعالم طوال 20 عاما، فلم أخرج منها ولم أر المدينة حتى وقت التحاقي بالجيش وعمري 20 عاما".

الأحلام منبع إلهام مو يان

وردا على سؤال "العين الإخبارية" له حول تكنيك كتابته لرواياته وهل يبدأ باختيار "المسرح المكاني" أولا أم أن الشخوص هي التي تهيمن عليه؟ قال مو يان: "في أعمالي الأولى كان هناك مكان واقعي ومحدد أكتب بناء عليه الأحداث التي تقع وتنسج الرواية، أما في الأعمال اللاحقة فلم أعتمد على تكنيك منظم بل يمكنني أن ألتقي شخصا ما في الشارع، فشكله أو أمر يحدث معه أو تعبيراته تلهمني بقصة أو فكرة ما، وقد يلهمني حيوان ما أيضا بكتابة عمل أدبي كما حدث في رواية (الثور)، الكثير من أعمالي ظهرت لي في أحلامي، هناك الكثير من الأعمال حلمت بها، ثم قمت من نومي وحولتها إلى قصة، منها المجموعة القصصية (الصبي سارق الفجل) فقد حلمت بها".

أما سؤال "العين الإخبارية" عن تجربته مع القراءة الإلكترونية، فقال: "ما زالت أقرأ الكتب الورقية فقط، أحيانا أقلب عبر الإنترنت لتصفح كتاب غير متوافر، ولكنني ما زلت نمطيا تقليديا، فلمسي لرواية ما يشعرني بإحساس ومتعة القراءة".

واعتبر مو يان أن "ذاكرة الطفولة من أهم المعطيات التي يتعامل بها أثناء كتابة عمله الأدبي، ويفسر مو يان أنه لا يكتب إلا عن الريف والقرية، نظرا لأنه لم يتعرف على المدينة بالصورة التي تعرف فيها على القرية وحياتها، وهو يشعر بالألفة مع ذكرياته والقرية، ورغم أنه يعيش حاليا في المدينة فإنه يشعر أن روحه لا تستطيع الخوض في الدهاليز التي يمتلئ بها عالم المدينة".

واستطرد: "حاليا أتمكن من الكتابة عن قريتي كمدينة صغيرة عبر تجسيد أوجه الحداثة والمباني الحديثة التي غيرت من معالم القرية وجعلتها تقترب من المدينة، وهو ما ظهر بقوة في روايتي (الضفدع)".

مو يان: قرأت لنجيب محفوظ وجمال الغيطاني

أما عن اهتماماته الأدبية الآن، فأكد مو يان أنه ليس مطلعا جيدا على الأدب العربي، لأنه لا يجد منه ما تمت ترجمته إلى اللغة الصينية، لكنه قرأ لنجيب محفوظ وجمال الغيطاني، ويتابع كل جديد في الأدب الإنجليزي والياباني والألماني، قائلا: "ما أستطيع العثور عليه من أعمال مترجمة أسارع لقراءته، لكنني لا أقرأ إلا باللغة الصينية، لذا أعتبر أن قراءاتي هي مجرد قطرات من بحر كبير لكثرة الإبداع الأدبي وتعدده".

يعد مو يان طفولته الصعبة مصدر فخر كبير له، وتابع: "أنا على يقين بأن الأدباء ينقلون للقراء الكثير مما مروا به في طفولتهم، وهم يستدعون كل ذكرى ويضيفون إليها، إذا أردتم أن تعرفوا شخصيتي فسأعرفكم بنفسي عبر الطفل الذي ذكر في (الصبي ساق الفجل)، هذا الصبي لم ينطق بكلمة واحدة، وهو ليس أخرس، هو فقط لا يريد الحديث، كانت له مزايا مثل حاستي الشم والسمع خارقتين، إحساسه بالحياة وطريقة تعاطيه معها تختلف عن الآخرين، يستطيع بموهبته الخارقة أن يتعرف على مجموعة أصوات من خلال الألوان استطاع أن يشم رائحة بكل لون".

مو يان وتيار البحث عن الجذور

وأشار مويان إلى أن كثيرا من أعماله الأدبية صنفت بأنها تنتمي إلى أدب البحث عن الجذور، لذا استفاض مو يان في الحديث عن تاريخ أدب البحث عن الجذور كحركة أدبية مهمة ظهرت في الصين من الثمانينيات من القرن الماضي، قائلا: "بدأت عملية نقل الأدب الغربي للصين في السبعينيات، وبدأ الأدباء الصينيون يقرأون لجابرييل جارسيا ماركيز ووليام فوكنر وانبهروا بطريقتهم، فبدأوا بتقليدهم، ولكن الجميع يعلم أن التقليد وحده لا يكفي، ولا يحقق إبداعا، لذا فطن الأدباء الصينيون أنه لا ينبغي أن تكتب عن العالم بل تكتب عما يخص الصين وأسلوب الحياة فيها وتفاصيلها، استخدمنا حكايات القومية الصينية، لتكون هي المصدر والإلهام للإبداع الأدبي. فمزجوا ما يخص ذاكرتهم ونشأتهم مع الخيال، فظهر تيار البحث عن الجذور.

ويستطرد صاحب رواية "رجل لا يكف عن المرح": "تخلصت من أثر الأدب الغربي ونقبت في الموروث الشعبي الصيني، واستدعيت من ذاكرتي كل ما يمكن أن يمس الإنسان في العالم، وهو ما تجلى في روايتي (عقوبة الإعدام لخشب الصندل)، العمل الأدبي بوجه عام يجب أن يرتبط بالإنسان في كل مكان وهو لا يخص نطاقا مكانيا محددا".

ويكشف عن بداية ولعه بماركيز قائلا: "عندما بدأت بقراءة ماركيز على الفور استدعيت ما يمكنني الكتابة عنه وقلت لنفسي: هل هكذا تكتب الراويات؟ لو أن الأدب يكتب هكذا، لكنت كتبت الكثير من الروايات، وجدت لديّ الكثير من القصص في ذهني عن موطني تتخطى ماركيز بواقيته وسحريته؛ لذا أحاول أن أقاومه وأبتعد عنه، لأن تأثيره ليس عليّ فقط، بل لقد أثر كثيرا في الأدب الصيني ولا يزال (100 عام من العزلة) تباع بآلاف النسخ في الصين".

ورفض مو يان تصنيف أدبه ضمن أدب الواقعية السحرية، قائلا: "تحويل الخيال إلى واقع هو ما أقوم به وليس الواقعية السحرية، عبر اجتهادي خلال 40 سنة من الكتابة هو أن أتخلص من واقعية ماركيز السحرية بل قمت بتحويل الخيال إلى واقع".

ولفت إلى أن ما يسمى تيار الواقعية السحرية في الصين ليس اختيارا للكتاب، بل فرض من الواقع عليهم.

وقال: "الكثير من الخيالات والسحر والقصص الغرائبية استدعيتها من ذاكرتي وطفولتي حينما قصت علي تلك القصص، الخيال الأدبي ورد في الكثير من الأعمال الأدبية قبل مئات الأعوام وأشهرها (حلم المقصورة الحمراء)، في مرحلة ما انقطع تيار الأدب الصيني التقليدي الممزوج بالسحر والغرائبية، وقام جيلي من الكتاب في الثمانينيات بوصل تدفق الأدب التقليدي الصيني مرة أخرى".

 "الكثير من أعمالي الإبداعية ركزت على الطفولة وعالمها"، هكذا أكد مو يان محاولة إبعاد عالم الطفل عن أعماله، لكن هذا الطفل بداخله ظل يقفز ويفرض نفسه على غالبية أعماله، ويقول: "الطفولة فترة غير تقليدية وذات أهمية بالغة على حياة الإنسان، المعتقدات ورؤية العالم بالنسبة للطفل أمر يختلف تماما عن عالم الكبار، لذلك لم أرد أن أبعد عني هذا التأُثير، بل على العكس، بل أفكر أن أعطيها المجال لتتجسد بصورة أكبر في أعمالي القادمة، ومن غير المستبعد أن يكون عملي القادم يرى العالم من وجهة نظر الأطفال، وهو موجه لهم".

وفي حديثه عن جائزة نوبل وتأثيرها عليه، قال: "الصين تمتلك الكثير من الأدباء الموهوبين، وإن كنت حصلت على نوبل فإن الكثير من زملائي الكتاب يستحقونها نظرا لإبداعهم، جائزة نوبل لها تأثير قوي في العالم وكذلك في الصين، على سبيل المثال كانت أعمالي تبيع 200 ألف نسخة من العمل بعد الحصول على الجائزة أصبحت مبيعات أعمالي تتعدى 2 مليون نسخة لكل عمل".

وأوضح: "قبل الحصول على الجائزة ترجمت أعمالي إلى 20 لغة، والآن وصلت ترجماتها إلى 50 لغة حول العالم، لكن يجب أن نعترف أن الحاصل على نوبل ليس اعترافا بأنه الأفضل والأعلى مستوى، وإنما يجب أن نرى الجائزة بنظرة واقعية، فهي ليست تقييما، بل أعتقد أن الأمر المهم هو أن يكتب عملا أدبيا ينسج فيه إبداعه، سواء رواية أو شعرا، أما الجوائز فهي يجب أن تكون آخر ما يهم الكاتب".

وفي مكاشفة مع جمهوره أكد مو يان إيمانه بأنه "لا توجد حرية تامة أو كافية لأي كاتب في العالم"، لكنه عبر الكتابة استطاع أن يحلق ويكسر جميع التابوهات، ويخترق أسقف الحريات حول العالم ويكسب قلوب الملايين من القراء.

تعليقات