بين الغرف المغلقة والأبواق المأجورة.. كيف تخدع إيران شعبها؟ (خبيران)
بين أركان متصدعة واقتصاد محاصر وشعب مستاء، يراوغ النظام الإيراني عبر خطاب مزدوج يهادن فيه بالخفاء ويناور بالعلن.
ففي الوقت الذي تقدم فيه طهران مقترحات للتفاوض لوقف حرب دمرت أركان سلطتها وإنهاء حصار أنهك اقتصادها وفاقم معاناة شعبها، ترفع كارت التهديد، في نشاز يقول خبراء إنه يعري حالة الضعف والانقسام بأعلى هرم السلطة في إيران.
وما بين شروخ الداخل وضغوط الخارج، يعتقد هؤلاء الخبراء أن الفترة المقبلة كفيلة بكشف وهن «البيت الإيراني»، خصوصا في وقت يرفض فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرد الإيراني على مقترح واشنطن، ما يرفع منسوب التكهنات بشأن استئناف الحرب التي اندلعت في 28 فبراير/شباط الماضي.
والثلاثاء، وجّه رئيس مجلس الشورى كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف إنذارا لواشنطن داعيا إياها إلى قبول الشروط الواردة في مقترح إيران لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط أو "الفشل"، وذلك غداة إعلان ترامب أنّ الهدنة في "غرفة الإنعاش".
ولم يُكشف عن محتوى المقترح الأمريكي المُقدّم لإيران، لكن بعض وسائل الإعلام ذكرت أنه يتضمن إنهاء القتال ووضع إطار لمفاوضات حول الملف النووي.
وتُطالب إيران في ردها بإنهاء الحصار الذي تفرضه البحرية الأمريكية على موانئها، وبالإفراج عن أصولها المجمدة في الخارج، وفق وزارة الخارجية، ما يكشف الضغوط الاقتصادية التي تتكبدها.
وفي سياق التصعيد الكلامي، أشار المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان إبراهيم رضائي على منصة إكس إلى احتمال رفع تخصيب اليورانيوم إلى 90%، وهي النسبة اللازمة لصنع سلاح نووي، في استفزاز للمجتمع الدولي.
"خطاب مزدوج"
ويرى خبير الشؤون الإيرانية في المنتدى الاستراتيجي للفكر والحوار، عمرو أحمد، أنه لطالما وُصف الخطاب الإيراني بـ«الازدواجية» بين ما يوجه للداخل والخارج.
ويقول أحمد في حديث لـ"العين الإخبارية"، إن "هذا الأمر هو نتاج أن الإعلام قد يتسبب -من وجهة النظر الإيرانية- في إشعال الداخل أو حين تخرج تصريحات على ألسنة بعض المسؤولين، فقد تتسبب في حالة احتقان داخلي أو حتى أزمات مع الدول".
وبالتالي، يتابع، "كان هناك تحرك من قبل بابك نكهداري، وهو رئيس مركز أبحاث مجلس الشورى الإيراني، حيث رفع ورقة إلى رئيس المجلس محمد باقر قاليباف يطالب فيها بضرورة أن تكون هناك سيطرة أو تحكم أو ضبط لطبيعة الخطاب الإعلامي الذي له تأثير على الشارع وعلى مسار المفاوضات".
وما يقرأ بين السطور، وفق أحمد، هو أنه "أحيانا تخرج مجموعة من التصريحات على لسان بعض المسؤولين قد تتسبب في قراءات خاطئة للمشهد وقد تضع طهران في سياق معين في ما يتعلق بقبول أو رفض مجموعة من شروط التفاوض".
من جانبه، يعتبر علي عاطف الباحث في الشأن الإيراني أن "الخطاب الذي تصدره السلطة في إيران بالوقت الحالي هو خطاب مزيف للانتصار"، لأن ما يدفع طهران لتقديم مقترحات مستمرة من جانبها لواشنطن، يأتي في الحقيقة من آثار الحرب على الداخل والخشية من حدوث انفجار شعبي ضد النظام".
وفي حديثه لـ"العين الإخبارية"، يتطرق عاطف إلى الانقسامات في الداخل الإيراني وداخل منظومة الحكم نفسها حول الحرب، بين "جناح متشدد على رأسه الحرس الثوري، وهذا الجناح يريد ويصر على استئناف الحرب مع أمريكا، بشكل رئيسي من أجل ضمان بقاء النظام وتجميع السلطة في يدهم نظرا للوضع الذي تواجهه إيران بعد مقتل علي خامنئي وتوريث السلطة لابنه مجتبى".
وموضحا: "توجد خلافات بين متشددين وإصلاحيين، والإصلاحيون يقودهم في الوقت الحالي الرئيس مسعود بزشكيان، وهم لا يوافقون ولا يريدون استئناف الحرب ويخشون بشكل كبير من استمرار تداعيات هذه الحرب على الداخل الإيراني وعلى مسألة استقرار النظام نفسه".
وبلغة الأرقام، يشير عاطف إلى أن "التقديرات الرسمية الإيرانية تقول إن خسائر الحرب تبلغ 28 مليار دولار"، مرجحا عدم مصداقية الرقم".
ولفت في المقابل إلى وجود تقارير أمريكية تقدر هذه الخسائر بنحو 300 مليار دولار، وأعتقد أن الرقم الأخير الأقرب للواقع بالنظر لمدة الحرب من الهجمات المباشرة بالإضافة للحصار العسكري البحري على الموانئ الإيرانية".
في الكواليس
وفي توضيحه لجزئية الانقسامات الداخلية، يعود عمرو أحمد للقول إن هذا "نتاج تحكم التيارات المتشددة في هذا المسار خاصة بعد مقتل العديد من القيادات العسكرية التي كانت توصف إيرانيا بأنها تتمتع بما يعرف بالصبر الاستراتيجي وتدرك وتفهم نسبيا مفهوم حسن الجوار وعدم الاعتداء على الدول العربية الشقيقة".
ولكن التيار الموجود حاليا لا يعي هذا الأمر، بحسب أحمد، "وحتى في ما يتعلق بالانقسامات حول المفاوضات، نجد أن وزير الخارجية عباس عراقجي توجه إلى البرلمان الإيراني لتقديم إفادة حول طبيعة ومسار المفاوضات".
كما أشار الخبير أيضا إلى ما أعلنته لجنة الأمن القومي بمجلس الشورى الإيراني والتي تتحدث عن أن البرنامج النووي ليس ضمن أجندة التفاوض، بما يعني أن التيارات المتشددة تريد إزالة أهم بند بالمفاوضات ما يعني انهيارها.
وتطرق أيضا إلى حادثة أخرى، وهي أنه حين أدلى الرئيس الإيراني ووزير الخارجية بتصريحات تبدو متفائلة في مرحلة سابقة من المفاوضات، قامت التيارات المتشددة بشن هجوم كبير عليهما.
وخلص إلى وجود تيارات في الداخل لا تريد أن تذهب إلى طاولة المفاوضات، وكذلك إذا ما تم الإعلان عن رغبة إيرانية حقيقية لمسار التفاوض فهي نتاج خسارتها من عملية الحصار الأمريكي المفروض على موانئها.
وختم مستشهدا بما جاء على لسان محسن رضائي وهو المستشار العسكري للمرشد الإيراني وأعلن ذلك عبر التلفزيون الرسمي وهو أن إيران لا يمكن أن تتحمل استمرار هذا الحصار.
"الداخل يئن"
وفي قراءته لارتدادات الحصار الأمريكي علي موانئ إيران، يرى الخبير المصري علي عاطف أن لهذا الأمر "تداعيات كبيرة للغاية ربما تفوق ما خلفته الهجمات العسكرية، فهذا الحصار البحري يكلف إيران يوميا حسب التقديرات حوالي 450 مليون دولار، إذن إيران تئن من الداخل بسبب هذه الأزمة".
ومشيرا لنقطة مهمة للغاية يرتكز عليها هذا الأمر، يقول عاطف إن "النظام الإيراني يخشى من انفجار شعبي ضده، وهو الأمر الذي يتفهمه الإصلاحيون وليس المتشددون الذين يقودون الحرس الثوري".
وبحسب عاطف، فإنه في "الداخل الإيراني، هناك ارتفاع في أسعار السلع، وهذه نقطة مهمة للغاية، إذن المواطن لا يتحمل في حين القادة من العسكريين يزعمون أنهم منتصرون وهذا أمر غير صحيح مطلقا".
وهناك أمر آخر، وهو أن واشنطن لم تطلق على المواجهات مع إيران اسم الحرب، لأن ما حدث بالنسبة لواشنطن هو مجرد عملية عسكرية، ما يعني أنه يمكن لها أن تعزز قدراتها العسكرية وتنخرط في عمليات قتالية أكبر ضد إيران خلال الفترة المقبلة في حال انهار وقف إطلاق النار بدون التوصل لتسوية سياسية أو إبرام اتفاق، على حد قوله.
وأعرب الخبير عن اعتقاده أن استئناف واشنطن الضربات ضد إيران لكن بضراوة وبشكل أكثر تدميرا، هو الخيار الأكثر ترجيحا بالوقت الحالي.