في عالم يزداد اشتعالا بالصراعات والدمار، يظل صوت السلام ضعيفا لكنه لا ينطفئ.
في كل يوم تتصدر الأخبار صورا لبيوت تهدم فوق ساكنيها، أو مدن تقصف تحت جنح الليل، أو صحفيين يستشهدون وهم يوثقون الحقيقة. والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يتأخر السلام دائما؟
الإجابة لا تكمن فقط في مكاتب الساسة وقاعات التفاوض، بل أيضا في ضمير البشرية وقدرتها على التمسك بالحقيقة، وصون الذاكرة، ورسم طريق مختلف للمستقبل.
الحرب هي العدو الأول للحقيقة. ومع ذلك، يواصل الصحفيون دفع حياتهم ثمنا لنقل ما يجري على الأرض، فيجعلون العالم أكثر وعيا بجوهر المأساة. سقوطهم ليس مجرد خبر عابر، بل جرح مفتوح في ضمير الإنسانية. وأصدق وفاء لذكراهم هو الاستمرار في النضال من أجل وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وتأمين الممرات الإنسانية، وتحصين القانون الدولي. فالحقيقة لا تخفى إلى الأبد، والتاريخ يحاكم، والشعوب لا بد أن تستيقظ لتعرف عدوها الحقيقي.
منذ اندلاع جولات الصراع الأخيرة في غزة، أكدت الصين موقفا ثابتا: وقف فوري وشامل لإطلاق النار، ضمان تدفق المساعدات الإنسانية، دعم انضمام فلسطين كعضو كامل في الأمم المتحدة، والتمسك بحل الدولتين كمسار عادل ودائم. هذه ليست شعارات دبلوماسية، بل خريطة طريق واضحة: وقف النار نزف الجرح، المساعدات الإنسانية الحد الأدنى من الكرامة، وحل الدولتين الأفق السياسي النهائي، أما إطار الأمم المتحدة فهو الضمانة للشرعية الدولية.
التاريخ يعيد التذكير بقوة هذه المبادئ. فقد خاض الشعب الصيني حربا استمرت 14 عاما وقدم خلالها أكثر من 35 مليون شهيد وجريح، إسهاما حاسما في النصر العالمي على الفاشية.
واليوم، ومع إحياء الصين في الثالث من سبتمبر 2025 الذكرى الثمانين لانتصارها على اليابان وانتصار العالم على الفاشية، فإنها لا تذكي الكراهية، بل تذكر بأن الأسس التي قام عليها النظام الدولي بعد عام 1945، احترام السيادة، رفض العدوان، وصون ميثاق الأمم المتحدة، هي دعائم ينبغي أن تصمد أمام أي محاولات للتقويض أو التهميش.
دروس التاريخ واضحة: لا حوار ولا إعمار ولا إنقاذ للأرواح دون وقف فوري لإطلاق النار.
الإنسانية تقتضي حماية الأطفال والأطباء والصحفيين والمدارس والمستشفيات. وأي تفوق عسكري لن يغني عن الحل السياسي، ولا سلام من دون جهد جماعي وتعاون متعدد الأطراف، ولا تسوية حقيقية من دون وحدة الصف الفلسطيني.
الحرب تذكرنا بالمعنى الحقيقي للسلام، والتضحيات تفرض علينا ألا نكرر المأساة. رفع الصوت من أجل السلام لا يعني الصمت أمام الظلم، بل تأكيدا أكبر على العدالة، ولكن عبر طريق ينقذ الأرواح ويعيد التوازن إلى النظام الدولي.
فلنحول الذاكرة إلى وقود للوعي، ولنجعل من التاريخ جسرا نحو المستقبل بدل أن يكون جدارا يحبسنا في الكراهية.
نحن اليوم في أمس الحاجة إلى استعادة إنسانيتنا، وصياغة خطاب عالمي جديد ينطلق من حقيقة واحدة: لا أمن لأحد ما لم يكن الجميع آمنين. علينا أن نتعلم من دروس الماضي كي لا نكررها، ونضمن للأجيال القادمة حقهم في عالم أقل دموعا وأكثر عدلا وإنسانية وسلاما
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة