سياسة

"استراتيجية العزم".. نواة تكامل عربي طال انتظاره

الأحد 2018.6.10 06:49 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 609قراءة
  • 0 تعليق
عاطف السعداوي

على مدار أكثر من نصف قرن من الزمان، شهد العالم العربي العديد من المشاريع الوحدوية، وعلى الرغم من أن هذه المشاريع تراوحت في طموحها ما بين محاولات للوحدة الفيدرالية وأخرى للوحدة الكونفيدرالية وثالثة اقتصرت على محاولات للتكامل الاقتصادي، إلا أن القاسم المشترك بينها جميعا كان هو الفشل، حتى وإن تراوح نصيبها منه، فمنها ما ولد ميتا، ومنها ما فشل في البقاء لأكثر من عام، ومنها ما انتهي بحروب ودماء، ومنها ما ظل حبرا على ورق اتفاقيات ومعاهدات، وبالتالي أصبح الفشل ولا شيء سواه هو ما يتوقعه المراقبون عند أي حديث عن مشروع وحدوي أو تكاملي عربي جديد.

"استراتيجية العزم" تمثل بارقة أمل في بناء نموذج ملهم لتجربة تكاملية عربية ناجحة، فكما انتشرت عدوى الفشل خلال سبعين عاما، يمكن أيضا أن تنتشر عدوى النجاح في سنوات أقل

بيد أن الخميس الماضي كان العالم العربي على موعد حدث جلل يبدو أنه سيغير خريطة التوقعات بشأن مشروعات التكامل العربية، وذلك عندما أعلنت الإمارات والسعودية في جدة عن رؤية مشتركة للتكامل بين البلدين اقتصادياً وتنموياً وعسكرياً عبر 44 مشروعاً استراتيجياً مشتركاً وذلك من خلال "استراتيجية العزم"، فقراءة سريعة لعناصر هذه الاستراتيجية يمكن القفز بدون تردد إلى نتيجة مفادها أن القائمين عليها لم تغب عنهم أسباب فشل ما سبق من مشاريع تكامل عربية، لذا عمدوا إلى تلافيها، وهنا يمكن القول إن أسباب النجاح المنتظر لهذا المشروع التكاملي الجديد هي ذاتها أسباب فشل ما سبقه من عشرات المشاريع الوحدوية والتكاملية العربية، وهنا يمكن رصد خمس نقاط قوة رئيسية تسلحت بها "استراتيجية العزم" وكانت نقاط ضعف فيما سبقها من مشاريع عربية مماثلة: 

  أولا: الإرادة السياسية

كان غياب الإرادة السياسية الكافية سبباً رئيسياً لفشل معظم محاولات التكامل العربية، لكن حضور الإرادة السياسية كان واضحاً في "استراتيجية العزم"، وهذا ما تجلى في أكثر من إشارة أبرزها أن الإعلان عنها جاء مع انعقاد الاجتماع الأول لمجلس التنسيق السعودي الإماراتي في مدينة جدة برئاسة وليي عهد السعودية وأبوظبي وبتوجيهات واضحة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ورئيس دولة الإمارات الشيخ خليفة بن زايد، كما تجلت الإرادة السياسية في حجم الفريق الذي عمل على هذه الاستراتيجية من البلدين، والذي بلغ 35 مسؤولاً بارزاً من 139 جهة حكومية وسيادية وعسكرية، وخلال فترة عمل بلغت 12 شهراً.

ثانيا: تكامل على قاعدة المصالح المشتركة

أثبتت التجارب الوحدوية والتكاملية الناجحة دولياً أن الاقتصاد والمصالح المشتركة هي الركيزة الأساسية للنجاح، وفي تجربة الوحدة الأوروبية خير مثال، فحين تناست فرنسا وألمانيا خلافاتهما وأجواء عدم الثقة بينهما جراء الحرب العالمية الثانية وقررتا التعاون اقتصادياً، أسستا قبل 66 عاماً المجموعة الأوربية للفحم والصلب بمبادرة من وزير الخارجية الفرنسي حينها روبرت شومان، وهي المجموعة الاقتصادية الأوروبية التي انبثق عنها لاحقاً الاتحاد الأوروبي في مطلع التسعينيات، شومان لخص الهدف من هذه المجموعة الأوروبية للفحم والصلب بقوله "يجب على أوروبا الكف عن الاستمرار كأرض معركة تستنزف القوى المتصارعة، نتطلع من هذا الاعتراف الذي كلف الكثير إلى السير في طريق جديد يؤدي بنا إلى أوروبا موحدة يعمها أخيراً السلام"، وهذا بالفعل ما تحقق، أما عربياً فانطلقت معظم المشاريع الوحدوية من منظور سياسي بحت، إما خدمة لطموح سياسي بزعامة تتجاوز حدود البلد الواحد، أو خدمة لتوجهات مرحلية ما تلبث أن تتغير أو تزول وينتفي بعدها الهدف من التجربة، وهنا يبدو أن "استراتيجية العزم" استلهمت التجربة الأوروبية حين أعلت من قاعدة المصالح المشتركة، وكان هذا جلياً في تصريحات ولي عهد أبوظبي التي قال فيها "لدينا فرصة تاريخية لخلق نموذج تكامل عربي استثنائي، وبتكاملنا وتعاضدنا وتوحدنا نحمي مكتسباتنا، ونقوي اقتصاداتنا، ونبني مستقبلاً أفضل لشعوبنا"، وهنا كان منطقياً أن يكون المحور الاقتصادي هو المحور الأول من محاور الاستراتيجية الثلاثة، وحظي أكثر من غيره بتفاصيل في مجالات التعاون بين الدولتين والتي شملت شتى القطاعات، وبالنظر إلى الإمكانيات الهائلة التي يتمتع بها اقتصادا البلدين، يبدو أن الاقتصاد سيكون القاطرة التي ستقود مسيرة التكامل بين البلدين، فالإمارات والسعودية تمثلان معاً عملاقاً اقتصادياً تتجاوز احتياطياته النفطية ربع الاحتياطي العالمي وناتجاً محلياً إجمالياً يبلغ تريليون دولار، وصادراتهما المشتركة الرابعة عالميا بقيمة 750 مليار دولار، بالإضافة إلى 150 مليار سنوياً إجمالي مشاريع البنية التحتية، فيما يبلغ حجم التبادل التجاري غير النفطي بين البلدين ما قيمته 24 مليار دولار مما يولد فرصاً هائلة واستثنائية للتعاون بين البلدين، على حد وصف سمو الشيخ محمد بن زايد.

ثالثا: تطابق الرؤى ووحدة المواقف

لعل ما أفشل بعضاً من المشاريع الوحدوية والتكاملية بين الدول العربية هو اختلاف الرؤى والتوجهات السياسية بين قادتها، اختلاف وصل في بعض الحالات إلى حد التعارض والتناقض، بل والعداء المعلن حيناً والمستتر أحياناً، في المقابل فإن أحد أهم أسباب التفائل بـ"استراتيجية العزم" هو ما تتسم به العلاقات الإماراتية السعودية من وضوح وثبات في الرؤى الاستراتيجية للبلدين، والتي تكاد تكون رؤية واحدة، فلا مبالغة في القول إن رؤى البلدين تجاه التحديات الإقليمة والدولية وتجاه مصادر تهديد الأمن القومي تصل إلى حد التطابق، ويبدو هذا جلياً من تنسيقهما في جميع المحافل الدولية والإقليمية وفي موقفهما الواحد تجاه أهم ملفات المنطقة.

  رابعا: اتصال الجغرافيا واشتراك التاريخ. 

كثيرا ما أفشل عامل الجغرافيا تجارب وحدوية عربية، فبقدر الطموح الذي صاحب ولادة الوحدة بين مصر وسوريا، بقدر الفشل السريع الذي واكب موتها السريع، ولعل من بين الأسباب التي أجهزت على هذه التجربة كان عامل عدم الاتصال الجغرافي بين البلدين، فواحدة في آسيا والثانية في أفريقيا ولا يرتبطان بأي حدود برية أو بحرية، على النقيض تماماً تبدو التجربة الوليدة للتكامل بين السعودية والإمارات، فالبلدان يشتركان في حدود برية طويلة كانت دائماً سبباً إضافياً للتعاون والتنسيق بين البلدين، وستسهل من عملية التكامل بينهما لأنها ستخلق فرصاً جديدة للتعاون مثل تنفيذ مشروع الربط الكهربائي بين البلدين وتسهيل انسياب الحركة في المنافذ والاستثمار المشترك في مجال النفط والغاز والبتروكيماويات، وهي بنود تضمنتهما استراتيجية العزم، وبالإضافة إلى اتصال الجغرافيا هناك أيضاً العلاقات التاريخية بين البلدين، والتي استمرت دائماً قوية ووثيقة، علاقات ضاربة في جذور التاريخ تعززها روابط الدم ووحدة المصير، تلك العلاقات التي أرسى دعائمها المغفور لهما بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان والملك فيصل بن عبدالعزيز وما زالت تتطور حتى الآن.

  خامسا: المأسساة والاستمرارية 

فشلت كثير من مشاريع التكامل العربية لأنها لم تضع أطراً زمنية محددة لإنجاز الأهداف المعلنة، لذا وصل عمره بعضها نحو ربع قرن من الزمان دون أن تحقق هدفاً واحداً من أهدافها، كما لم يهتم بعضها بوضع كيانات مؤسسية تعمل على إدارة الفكرة ومراجعة التجربة وتقييمها أولاً بأول وتطويرها بما يضمن استمراريتها، وهذا ما حاولت "استراتيجية العزم" تفاديه بالإعلان عن هيكل تنظيمي لمجلس التنسيق السعودي الإماراتي، والذي تم تشكيله بهدف تكثيف التعاون الثنائي في المواضيع ذات الاهتمام المشترك ومتابعة تنفيذ المشاريع والبرامج المرصودة، كما تم التوقيع على 20 مذكرة تفاهم بين البلدين لإدخال مشاريع الاستراتيجية حيز التنفيذ، كما وضع قادة البلدين مدة 60 شهراً لتنفيذ مشاريع الاستراتيجية.

  في النهاية يمكن القول إن "استراتيجية العزم" تمثل بارقة أمل في بناء نموذج ملهم لتجربة تكاملية عربية ناجحة، فكما انتشرت عدوى الفشل خلال سبعين عاماً، يمكن أيضا أن تنتشر عدوى النجاح في سنوات أقل، وكلي قناعة بأن نجاح تجربة التكامل السعودي الإماراتي سيغري دولاً عربية أخرى تشاركهما الرؤى والمواقف من الانضمام إليهما، وقتها يمكن أن نطلق العنان مرة أخرى لأحلامنا في رؤية نموذج ناجح لتعاون عربي مشترك يعزز مصالح الشعوب العربية ويحمي مكتسباتها ويقف كحائط صد أمام الأخطار المحدقة بها.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات