سياسة

سلاح الخوف في الانتخابات التركية

الأحد 2018.6.10 07:25 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 1015قراءة
  • 0 تعليق
يوسف الشريف

منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في خريف 2002، كان الامتحان الأصعب على أحزاب المعارضة في مواجهة رئيس الوزراء – حينها – رجب طيب أردوغان، هو تقديم شخصية سياسية بارزة تتمتع بالكاريزما والخبرة السياسية لتتغلب على ما يتمتع به أردوغان قدرات خطابية وكاريزما سياسية، بالإضافة طبعاً إلى تحدي تقديم مشاريع اقتصادية وسياسية حقيقية قابلة للتطبيق على أرض الواقع. وبفضل كاريزما أردوغان ونشاط الفريق القيادي لحزب العدالة والتنمية حينها والعلاقة الجيدة مع الغرب، استطاع حزب العدالة والتنمية الفوز في جميع الانتخابات التي خاضها حتى الآن وبفارق كبير عن بقية أحزاب المعارضة، التي بقيت حبيسة أيديولوجياتها وزعاماتها التي ترفض إعطاء فرصة لسياسيين آخرين لقيادة دفة المعارضة. فقانون الأحزاب السياسية الذي يرفض جميع زعماء الأحزاب الممثلة في البرلمان تغييره، يعطي زعيم الحزب هيمنة وسلطة كبيرتين على قواعد الحزب بشكل يستحيل معه تغيير زعيم الحزب إلا بالوفاة- كما حصل مع حزب الحركة القومية - أو صعود زعيم الحزب إلى القصر الجمهوري كرئيس كما حصل مع حزبي الوطن الأم والطريق الصحيح، أو بتعرض زعيم الحزب إلى فضيحة أخلاقية تهوي به – كما حدث مع دنيز بايكال زعيم حزب الشعب الجمهوري الأتاتوركي، وكما حدث لفترة وجيزة في حزب العدالة والتنمية عندما وصل أردوغان للرئاسة وسلم زعامة الحزب أولاً لأحمد داود أوغلو ثم إلى بن علي يلدرم قبل أن يعود هو إلى زعامته بعد إقرار النظام الرئاسي الجديد في أبريل العام الماضي.

لا يقدم الرئيس أردوغان في حملته الانتخابية للانتخابات الرئاسية مشاريع طموحة كما كان يفعل سابقا، بل إنه يواجه اليوم انتقادات بسبب تدهور الوضع الاقتصادي والسياسي في البلاد بعد حكمه لتركيا لأكثر من 16 عاما بشكل منفرد

لم يكن الرئيس أردوغان أو شخصه هو السبب الأساسي في فوز حزبه في الانتخابات، وإن لعبت شخصية أردوغان المتحدية دوراً مهماً في جميع أصوات المحافظين، إذ كان كادره القيادي القوي، ومشاريعه السياسية الجديدة والإصلاحية الطموحة، بالإضافة إلى العلاقة الجيدة مع الغرب، دور أكبر في تحقيق هذا النجاح. إذ نجح الحزب في رفع شعبيته من 34% عام 2002 إلى 46% عام 2007 بفضل عبدالله جول الذي حرمته الوصاية العسكرية من الانتخاب كرئيس للجمهورية قبل هذه الانتخابات، وقد لعب دور "المظلومية" لعبدالله جول الدور الرئيسي حينها في رفع أصوات الحزب 10% حسب تحليلات مؤسسات استطلاع الرأي، علماً أن أردوغان كان يفضل ترشيح شخصية أخرى بديلة لعبدالله جول بعد رفض الجيش له، من باب الانحناء للعاصفة وعدم الدخول في مواجهة مبكرة مع الجيش، لكن جول وبولنت أرينش هما من أصر على خطوة التحدي هذه واللجوء الى انتخابات مبكرة، مما رفع من شعبية الحزب. كما أن أردوغان كان ميالاً لتصويت حزبه في البرلمان بداية عام 2003 لصالح إعطاء الإذن للقوات الأمريكية بدخول الأراضي التركية واستخدامها منطلقاً لغزو العراق في ذلك العام، بينما لعب عبدالله جول وأحمد داود أوغلو دوراً كبيراً في إقناع نواب الحزب في التصويت لرفض هذا القرار، وكانت النتيجة أن رفض البرلمان هذا القرار، مما زاد من شعبية الحزب داخل تركيا وفي العالم العربي.

لكن بعد وصول عبدالله جول للرئاسة ومغادرته الحزب، بدأ أردوغان في عملية تهميش القيادات والانفراد بالقرار داخل الحزب، وقد أدى انفراد أردوغان للمرة الأولى بتعيين أسماء المرشحين للانتخابات البلدية وفق الولاء له بدلاً من الخبرة إلى انتكاسة في نتائج انتخابات الحزب البلدية عام 2009 إذ تراجعت أصوات الحزب إلى 39% حينها ولم يحتفل الحزب بفوزه في تلك الانتخابات بسبب هذا التراجع الكبير في نسبة أصواته، والذي عزي إلى ضعف المرشحين الذين اختارهم أردوغان.

ويعترف بعض المحللين السياسيين إلى أن أردوغان كان "محظوظا" بمواجهة معارضات ضعيفة، من قبل أحزاب فشلت في تقديم زعامات قوية أو برامج حقيقية، وقد ساعدته أيضاً انطلاق ما يعرف بالربيع العربي، من أجل تعزيز سياسته الشعبوية التي بدأت تأخذ مكان تقديم مشاريع إصلاحية تدريجياً منذ عام 2011، حتى بات كثيرون يعتقدون أن أردوغان زعيم لا يهزم ولا يمكن أن يواجه يوماً ما تحدياً حقيقياً من زعيم معارض. وفي أفضل إنجاراته حصد الرئيس أردوغان على نسبة 53% في الانتخابات الرئاسية عام 2014 ، ما يعني أن الإجماع على أردوغان لم يتجاوز نصف أصوات الناخبين إلا بنسبة قليلة، ولم يحظ يوماً بنسبة تأييد أعلى من هذه.

أما اليوم تبدو الساحة السياسية مختلفة، إذ بدأت أحزاب المعارضة تستجمع قواها من جديد، وظهر على الساحة أحزاب معارضة جديدة وزعامات جديدة تحظى بنوع من الكاريزما غير المسبوقة بين صفوف المعارضة، مثل زعيمة حزب الجيد السيدة ميرال أكشنار، ومرشح حزب الشعب الجمهوري للرئاسة محرم إنجه. كما بدأت أحزاب المعارضة التعاون فيما بينها بشكل إيجابي يضغط أكثر على شعبية الرئيس أردوغان وأصوات حزبه.

وفي مقابل هذا المشهد الجديد، لا يقدم الرئيس أردوغان في حملته الانتخابية للانتخابات الرئاسية مشاريع طموحة كما كان يفعل سابقاً، بل إنه يواجه اليوم انتقادات بسبب تدهور الوضع الاقتصادي والسياسي في البلاد بعد حكمه لتركيا لأكثر من 16 عاماً بشكل منفرد. على الرغم من ذلك ما زالت تنتشر لدى أوساط من مؤيدين لأردوغان والمعارضين له فكرة أن أردوغان لن يترك الحكم مهما حدث، وهي فكرة تتناقض مع كون تركيا جمهورية ديمقراطية – كما يذكر الدستور- وأن التبادل السلمي على السلطة أمر مكفول بالدستور والقانون. يغذي هذه النظرة طول فترة حكم أردوغان وسيطرته تدريجياً على جميع مفاصل الحكم في الدولة من الجيش إلى القضاء. ويقول كثيرون إن أردوغان لن يترك السلطة، لأنه بذلك سيفقد الحصانة السياسية وستفتح ملفاته القديمة وتهم كثيرة بالفساد تم وقف التحقيق فيها من خلال تدخل الحكومة في شؤون القضاء. بالإضافة إلى احتمال فتح ملف غامض هو ملف المخابرات التركية وعلاقاتها الغامضة مع العديد من التنظيمات المتطرفة، ومن بينها جبهة النصرة.

وفي هذا الإطار كان أردوغان قد منع رئيس المخابرات هاكان فيدان من ترك منصبه والترشح للانتخابات عام 2015 وأطلق عليه اسم "صندوقي الأسود وكاتم اسراري" في إشارة إلى رفض أردوغان ترك فيدان منصبه بأي حال، خشية كشف تلك الأسرار التي يحميها حالياً بقاء الرئيس أردوغان على رأس الحكم في البلاد. ويسعى أردوغان لتغذية هذه النظرة وهذا الاعتقاد بين الناخبين في عموم تركيا، فهو يقول إنه قاد تركيا إلى كثير من النجاحات، لكنه ارتكب أيضاً عدداً من الأخطاء التي يجب أن تغفر له بسبب إنجازاته السابقة، مثل اعترافه بدعم جماعة فتح الله جولن التي نفذت محاولة انقلابية ضده عام 2016 بعد الخلاف بينهما على تقاسم حكم مؤسسات الدولة. لذا فإن كثيراً ممن تستطلع القنوات الإخبارية آراءهم في الشارع اليوم يعبرون عن استيائهم من سياسات الحكومة الحالية، لكنهم يعربون عن تأييدهم إعطاء أردوغان فرصة ثانية من أجل إصلاح هذه الأخطاء. ويغذي الرئيس أردوغان هذا التوجه من خلال محاولاته شيطنة جميع المعارضين له، فيتهم تارة بالإرهابيين الداعمين لحزب العمال الكردستاني المحظور، وتارة بأنهم على تحالف مع فتح الله جول الهارب في أمريكا. وهنا ينجح أردوغان نسبياً في تحويل سجال الحملات الانتخابية إلى سجال حول شخصه، ويقسم الشارع التركي بين مؤيد له بالمطلق رغم أخطائه، وبين معارض له على طول الخط، ولا يسمح ضمن هذه السجالات، بتنافس سياسي على البرامج السياسية والوعود الانتخابية. وان اعتبر البعض أن هذه سياسية مشروعة في الحرب السياسية، إلا أن هذا الأمر يشكل تداعيات خطيرة على الشارع التركي، تظهر من خلال انقسامات داخل المجتمع التركي نفسه، ويتجلى ذلك في بعض البرامج الحوارية التي يشتعل فيها النقاش حول الانتخابات المقبلة، ليتحول إلى نقاش حول شخص أردوغان نفسه، وكأن أردوغان هو الدولة التي يجب الحفاظ عليها مهما كانت سياساته الاقتصادية أو الخارجية. وقد بدأ هذا السجال يتسلل إلى الشارع على شكل عنف بين الحملات الانتخابية، يغذيه موقف الحكومة الذي يستخدم القمع والعنف مع بعض المظاهرات الاحتجاجية للمعارضة، مقابل تسامح كبير مع شخصيات ظهرت على الشاشة تهدد باللجوء إلى السلاح في حال خسارة أردوغان للانتخابات. وعلى الرغم من أن استطلاعات الرأي ما زالت ترجح حتى الآن عدم حسم الانتخابات الرئاسية من الجولة الأولى، ما يعني بقاء حظوظ خسارة أردوغان قائمة، إلا أن شعورا بالخوف لدى الناخب التركي من تداعيات خسارة أردوغان تدفع بعض هؤلاء إلى ترجيح التصويت لأردوغان وإن بدون اقتناع، فقط من أجل تجنيب تركيا أي سيناريو يزعزع استقرارها في حال خسارته. وتبدو هذه الحالة النفسية حالياً التحدي الأكبر أمام أحزاب المعارضة، التي ترى انزعاج الناخبين من سياسة أردوغان لكنها في نفس الوقت لا تنجح بشكل كاف في استمالة هؤلاء الناخبين الغاضبين.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات