سياسة

حكماء المسلمين.. الإسلام والغرب لا حاجة لرقصة الموت

الإثنين 2018.10.22 08:42 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 214قراءة
  • 0 تعليق
إميل أمين

من بين أهم القضايا الآنية التي باتت تشكل، لا علامة استفهام فقط، بل مدعاة قلق، تلك المتصلة بالمسلمين والإسلام في الغرب، وهل هي بالضرورة والحتمية التاريخية لابد لها أن تكون صدامية عدائية، أم أن هناك من يريد لها أن تكون كذلك ليحقق أهدافاً تتصل بأجندات خفية لا تُرى على سطح الأحداث؟

بات الإسلام والمسلمون ضحية، ولا شك، للخطاب أحادي النزعة والتوجه الذي يرفع رايته الكثيرون في أوروبا في أيامنا هذه، وقد أضحى شغل المتطرفين اليمينيين الشاغل تقديم الإسلام كدين للتطرف والتعصب، وترويج خطاب بعيد كل البعد عن السلوكيات المتأصلة في جذور الإسلام وفروعه

شغل هذا التساؤل القائمين على مجلس حكماء المسلمين، والأزهر الشريف ورجالاته وعلمائه، ولهذا كانت الندوة الدولية في القاهرة في الفترة ما بين 22 و24 أكتوبر الجاري.

عنوان الندوة في حد ذاته مدعاة للتأمل: "الإسلام والغرب.. تنوع وتكامل"، وكأنه يحاول أن ينفي التنبؤات المنحولة التي سعت إلى تحقيق ذاتها بذاتها، وفي المقدمة منها مسألة "صراع الحضارات"، كما نظر لها عالم الاجتماع الأمريكي الشهير "صموئيل هنتخبتون"، قبل أن يغادر عالمنا منذ بضع سنوات.

ندوة القاهرة تقوم في الأساس على دراسة وبحث قضايا القراءة المعاصرة للعلاقة بين الإسلام وأوروبا، وقد أحسن الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين اختيار الموضوع، فالإسلام ليس بغريب على أوروبا ولا يمثل مجموعة من المعتقدات الغريبة أو الدخيلة على الأوروبيين، كما تبين الإحصائيات الحديثة أن الإسلام في أوروبا اليوم هو الديانة الثانية، ويعتنقه عدد كبير من المواطنين في العديد من البلدان الأوربية.. ما الذي حدث في واقع الحال ودفع العلاقة إلى هذا النوع من التردي؟

الشاهد أنه يمكن الإشارة إلى عاملين مهمين:

الأول: يتصل بصعود القوميات العرقية، والشوفينيات المذهبية، وهذا مرده إلى عوامل اقتصادية بأكثر من أي ضغوطات أخرى، فقد اكتشف الأوروبيون أن فكرة الاتحاد لم تخلق عالم اليوتوبيا "الدولة المثالية" الذي كانوا يحلمون به، كما أن مواطني الدول الغنية مثل ألمانيا وفرنسا لم يعد يعجبهم أو يرضيهم أن تكون بلادهم حاضنة لبقية الدول الأوروبية الضعيفة اقتصادياً.

غير أنه ومن أسف في هذا السياق، وجد هؤلاء وأولئك في الإسلام والمسلمين الشماعة التي يمكنهم تحميل أخطائهم التي تصل إلى حد الخطايا عليها.

الثاني: نجاح العناصر المتطرفة الإرهابية والتي ترفع راية الإسلام السياسي، والذي لا ينفك يتحول إلى عنف مقنع وظاهر معاً، في زرع الشقاق بين أغلبية السكان وبين المسلمين الذين يعيشون في وسطهم، وكان هذا هدفاً يسعى إليه العديد من الجماعات المتطرفة عبر اعتمادهم على العمليات الإرهابية أو تبني الأعمال الإرهابية التي يقوم بها أشخاص مهمشون أو حتى مختلون عقلياً.

والشاهد أن التفكر والتدبر في أمر أوروبا اليوم وفي علاقتها بالإسلام بات أمرا واجب الوجود كما تقول جماعة الفلاسفة، ذلك لأن أوروبا التنوير والقيم الإنسانية الرفيعة، أوروبا العدالة والمساواة والأخوة، تكاد تتوارى تحت ضربات الشعبويين، الذين قلبوا الحقائق وبدّلوها بإرهاصات وروجوا مخاوف تؤثر على عمق الفكر الأوروبي العميق.

يقول الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف رئيس مجلس حكماء المسلمين، في معرض تحليله لإشكالية الهجرة والمهاجرين، وكيف غلب اليمين الأوروبي المتطرف على متناقضاتها: " إن السلام الضائع الذي تبحث عنه شعوب، وبلاد وبؤساء، ومرضى، وهائمون على وجوههم في الصحراء، وفارون من أوطانهم، إلى أوطان نائية، لا يدرون أيبلغونها أم يحول بينهم وبينها الموت، والهلاك، والغرق، والأشلاء، والجثث الملقاة على شواطئ البحار في مأساة إنسانية بالغة الحزن، لا نعدو الحقيقة لو قلنا: إن التاريخ لم يعرف مثيلاً لها من قبل".

في هذا السياق نتساءل: كيف يمكن للشعبويين من السياسيين أن يستعلوا مخاوف السكان وينتقدوا بشدة قضايا الهجرة والتعددية والبطالة، من أجل بناء قاعدة متينة وصلبة من الدعم الثابت لهم، وعليه صاروا يهاجمون الليبرالية والتعددية التي كانت من صميم القيم الأوروبية، والتي كانت سائدة في المجتمع الأوروبي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

بات الإسلام والمسلمون ضحية، ولا شك، للخطاب أحادي النزعة والتوجه الذي يرفع رايته الكثيرون في أوروبا في أيامنا هذه، وقد أضحى شغل المتطرفين اليمينيين الشاغل تقديم الإسلام كدين للتطرف والتعصب، وترويج خطاب بعيد كل البعد عن السلوكيات المتأصلة في جذور وفروع الإسلام، وكأنه لا يقبل أن يعيش معه ومن حوله أحد من غير المسلمين، على خلاف الحقائق التاريخية طوال أربعة عشر قرناً.

في مؤلفه العمدة "أصل الكتاب.. التاريخ المنسي لعلاقة الإسلام بالغرب"، يحدثنا الكاتب والمفكر الأمريكي "زاكري كارابل" عن رؤية صائبة للعلاقة بين الطرفين، فيقول: " على غرار آية كراهية أخرى، فإن العداء ما بين الإسلام والغرب يغذيه الجهل والذاكرة الانتقائية. فإن غلبنا على مشاعرنا عوامل الكره والاحتقار والحرب والغزو، لا يعود في مقدورنا ملاحظة وجود أي طريق آخر نسلكه. وإذا اعتبرنا أن الدين هو المصدر الرئيس للنزاع، لا يعود بإمكاننا تحديد العوامل التي لا علاقة لها البتة بالدين.

عاش الأوروبيون طوال أربعة عشر قرناً بالقرب جغرافياً وديموغرافياً من العرب والمسلمين، وربما لم تكن الحياة بينهما سخاءً رخاءً بالمطلق، ولا صفاءً زُلالاً مرة وإلى الأبد، غير أن شكلاً من أشكال التعايش المشترك ساد الجانبين.

والثابت أن استخلاص تراث التعايش السلمي قد لا يؤدي إلى جعل العالم آمناً بالمطلق، لكنه في كل الأحوال يقود إلى تبيان حقيقة مهمة وهي أن الإسلام والغرب لا حاجة بهما إلى التشابك في رقصة الموت، وبقد ما تتمسك كل جماعة بأنها وحدها هي التي تملك مفاتيح الحقيقة والخلاص بشكل مطلق، فسوف تكون هناك نسبة من التوتر. أما التنافس والتسابق فلا يقودان بالضرورة إلى الحرب والعنف.

هل الماضي دليل لنا في سياق الحاضر والمستقبل؟

الشاهد أن المسيحيين واليهود والمسلمين عاشوا معاً على نحو بناء ومستمر، ولقد علّم بعضهم البعض الآخر، وتعلم بعضهم من بعض.

أحسن كثيرا جدا الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين في دعوة مشاهير العلماء المتخصصين في دراسة العلاقة بين الإسلام والغرب، بالإضافة إلى علماء الإسلام والغرب إلى هذه الندوة، لفتح باب الحديث والحوار مع قادة أوروبا وغيرها من دول العالم، بهدف التوصل إلى بعض الاستنتاجات العملية حول كيفية رأب الصدع بين الأوروبيين والمسلمين في أوروبا، وبعيداً عن المناهج الجدلية والاتهامية التي استخدمتها وسائل الإعلام لربط التطرف والعنف والإرهاب بالإسلام والمسلمين، دون غيرهم من شعوب العالم.

رائع جدا أن نتذكر في هذه الندوة أن الأديان الثلاثة التي تقاتل أتباعها يوماً ما مع بعضهم البعض، إنما تعلمت أيضاً الكثير من بعضها البعض، وأنه حان الوقت الذي نفتش فيه الكتب لنخرج بأفضل قصص من ذلك التاريخ المنسي، الأمر الضروري جدا في عالم اليوم، إن أردنا الوصول إلى سياقات كونية أكثر أمناً واستقراراً.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات