مشهد صامت في سوق العقارات المصري.. الأعين نحو البنك المركزي
يشهد سوق العقارات المصري مرحلة ترقب حاسمة مع اقتراب اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي، في ظل تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت أسعار الفائدة ستبدأ الانخفاض، وما قد يترتب على ذلك من تأثير على أحد أكبر القطاعات الاقتصادية في البلاد.
ويستحوذ القطاع العقاري على اهتمام المستثمرين باعتباره أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار، فيما أظهرت أحدث بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية، استمرار نمو نشاط التمويل العقاري خلال عام 2026، وهو ما يعكس استمرار الطلب على التمويل رغم ارتفاع تكلفة الاقتراض.
مؤشرات السوق
وتشير بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية في مصر إلى ارتفاع إجمالي التمويل العقاري الممنوح من الشركات بنسبة 42.9% خلال أول شهرين من عام 2026 ليصل إلى نحو 7.3 مليار جنيه، مقابل 5.11 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من عام 2025.
كما ارتفعت قيمة إعادة التمويل العقاري بنسبة 31.4% إلى 754 مليون جنيه، بينما تراجع عدد عقود التمويل العقاري بنسبة 35.6% ليسجل 1908 عقود، وهو ما يعكس اتجاها نحو تمويلات أكبر قيمة مع انخفاض عدد العملاء.
وكان البنك المركزي المصري قد خفض أسعار الفائدة عدة مرات خلال العام الماضي قبل أن يثبتها عند 19% للإيداع و20% للإقراض في أحدث اجتماع للجنة السياسة النقدية، في ظل تراجع معدلات التضخم مقارنة بذروتها السابقة.
وتشير أحدث البيانات إلى أن إجمالي التمويلات العقارية ضمن مبادرة محدودي ومتوسطي الدخل تجاوز 102 مليار جنيه حتى أبريل/ نيسان 2026، في حين بلغ حجم التمويل العقاري خلال الربع الأول من العام نحو 13.1 مليار جنيه، في مؤشر على استمرار الطلب على التمويل رغم ارتفاع تكلفة الاقتراض خلال الفترة الماضية.
كما ارتفعت محفظة القروض العقارية لدى البنوك المدرجة إلى نحو 48.8 مليار جنيه بنهاية مارس/آذار 2026، وهو ما يعكس اتساع نشاط التمويل العقاري في السوق.
التثبيت هو السيناريو الأقرب
وفي ظل ترقب السوق لقرارات لجنة السياسة النقدية، يطرح المستثمرون والمطورون تساؤلات حول ما إذا كان خفض أسعار الفائدة سيمثل نقطة تحول حقيقية لسوق العقارات أم أن تأثيره سيظل محدودا؟
وفي هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي المصري، الدكتور وليد جاب الله، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، أن الحديث عن خفض قريب لأسعار الفائدة لا يستند إلى معطيات الواقع في الوقت الحالي.
وأوضح أن السيناريو الأقرب هو تثبيت أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل للجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي، في ظل حرص البنك المركزي على الحفاظ على جاذبية أدوات الدين الحكومية للمستثمرين الأجانب، إلى جانب قيام البنكين الحكوميين الكبيرين خلال الفترة الماضية برفع العائد على بعض الودائع والشهادات الادخارية.
وأضاف جاب الله أن السوق العقاري تأثر بالفعل خلال الفترة الماضية بارتفاع أسعار الفائدة، خاصة بالنسبة للوحدات التي تُباع بنظام التقسيط على فترات زمنية طويلة، إذ انعكس ارتفاع تكلفة التمويل على أسعار تلك المنتجات العقارية.
وكان من المتوقع أن تسهم دورة التيسير النقدي في تخفيف هذه الأعباء، إلا أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة، وفي مقدمتها الحرب الأمريكية-الإيرانية، دفعت البنك المركزي إلى التريث، ما يجعل العودة إلى خفض أسعار الفائدة في المدى القريب أمرًا غير مرجح.
وأوضح أن تأجيل خفض الفائدة لا يعني أن السوق العقاري يمر بحالة ركود، مؤكدا أن القطاع يمتلك عوامل دعم ذاتية تساعده على الحفاظ على نشاطه، من بينها الطلب الموسمي الذي يتزايد خلال فصل الصيف مع عودة المصريين العاملين بالخارج لقضاء الإجازات، وهو ما ينعكس على زيادة الإقبال على شراء الوحدات السكنية والساحلية، ويسهم في تنشيط مبيعات شركات التطوير العقاري حتى في حال استمرار أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية.
خفض الفائدة يعيد تنشيط السوق
على الجانب الآخر، يرى الخبير الاقتصادي المصري، الدكتور خالد الشافعي، أن خفض أسعار الفائدة يمثل نقطة تحول جوهرية وحقيقية لسوق العقارات، وليس مجرد تأثير محدود.
وأوضح في تصريحات لـ"العين الإخبارية" أن تراجع الفائدة يسهم بشكل مباشر في خفض تكلفة الاقتراض للمطورين والمشترين على حد سواء، بما يعيد تنشيط حركة المبيعات التي تباطأت بفعل ارتفاع العوائد البنكية، ويدعم نمو السوق على المدى الطويل.
وأضاف الشافعي أن حجم الانخفاض في تكلفة التمويل العقاري سيعتمد على وتيرة التيسير النقدي التي سينتهجها البنك المركزي، إلا أن التجارب السابقة تشير إلى أن كل خفض في أسعار الفائدة الرئيسية ينعكس بصورة شبه مباشرة على تكلفة قروض التمويل العقاري، بما يقلل الأقساط الشهرية ويزيد القدرة الشرائية للراغبين في شراء الوحدات.
وأشار إلى أن انخفاض الفائدة سيدفع المطورين إلى إطلاق مشروعات جديدة، نتيجة تراجع تكلفة التمويل البنكي اللازم لشراء الأراضي وتنفيذ الأعمال الإنشائية، لافتًا إلى أنه رغم استمرار ارتفاع أسعار مواد البناء، فإن انخفاض تكلفة الاقتراض وتوافر السيولة سيعوضان جانبا كبيرا من تلك الزيادات، ويمنحان الشركات مرونة أكبر في التسعير وفترات السداد.
وأكد الشافعي أنه لا يتوقع انخفاضا في أسعار العقارات، بل يرجح استمرار ارتفاعها، مدفوعا بزيادة الطلب الناتجة عن تراجع الفائدة، إلى جانب استمرار الضغوط التضخمية على تكاليف البناء، وهو ما سيدعم استمرار الاتجاه الصعودي للأسعار بوتيرة أكثر استقرارًا.
وأوضح أن انخفاض العائد على الشهادات البنكية سيدفع جزءا كبيرا من السيولة إلى سوق العقارات، مع اتجاه المستثمرين إلى البحث عن أوعية استثمارية قادرة على الحفاظ على القيمة وتحقيق عوائد رأسمالية في مواجهة التضخم، مشيرًا إلى أن العقار يظل الخيار الأكثر جاذبية خلال دورات انخفاض الفائدة.
واختتم الشافعي تصريحاته بالتأكيد على أن القطاعين التجاري والإداري سيكونان الأكثر استفادة من أي خفض مرتقب لأسعار الفائدة، نظرا لاعتمادهما بصورة أكبر على التمويل البنكي، فضلا عن ارتفاع العوائد الإيجارية التي يحققانها مقارنة بالقطاع السكني، وهو ما يجعلهما الأكثر جذبا للاستثمارات والسيولة الخارجة من القطاع المصرفي.