أسعار الفائدة في مصر على أعتاب تحول كبير.. الأسواق تترقب مصير الدولار والذهب
يدخل الاقتصاد المصري مرحلة جديدة من إعادة التوازن بين كبح التضخم وتحفيز النمو، بعدما أظهرت الأسعار قدرا من الهدوء، في وقت لا تزال فيه الشركات والمستثمرون والأفراد يتحملون تكلفة تمويل مرتفعة انعكست على الاقتراض والإنتاج والاستهلاك.
ومع اقتراب اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، المقرر عقده يوم الخميس 9 يوليو/تموز 2026، يتجدد السؤال بشأن ما إذا كانت موجة تراجع التضخم تمهد لبدء عصر جديد من الفائدة المنخفضة، أم أن المخاطر المرتبطة بأسعار الطاقة وسعر الصرف والتوترات الإقليمية ستدفع البنك المركزي إلى تمديد مرحلة الحذر.
وكان البنك المركزي قد أبقى، خلال اجتماعه في 21 مايو/أيار الماضي، سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19%، وسعر الإقراض عند 20%، وسعر العملية الرئيسية عند 19.5%.
وفي المقابل، تباطأ معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 14.6% خلال مايو/أيار 2026، مقابل 14.9% في أبريل/نيسان، بينما استقر التضخم الأساسي عند 13.8%، وفق البيانات الواردة في التقرير المرفق. لكن التضخم الشهري ارتفع إلى 1.6%، مقابل 1.1% في أبريل/نيسان، ما يكشف عن استمرار بعض الضغوط السعرية، لا سيما في الغذاء والخدمات.
وتشير البيانات إلى أن الاقتصاد اقترب من نقطة تسمح بمناقشة خفض الفائدة، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة تسمح بتخفيضات سريعة أو واسعة، بما يعني أن الأشهر المقبلة قد تمثل بداية انتقال تدريجي، وليس إعلانًا فوريًا لعصر الفائدة المنخفضة، بحسب خبراء اقتصاد ومصرفيون
هل أصبح خفض الفائدة قريبا؟
رغم تراجع التضخم السنوي لشهرين متتاليين، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا في اجتماع يوليو/تموز يظل تثبيت أسعار الفائدة، لإتاحة مزيد من الوقت أمام البنك المركزي للتأكد من أن هبوط التضخم مستدام، وليس مجرد نتيجة مؤقتة لتأثير سنة الأساس.
ويحتاج البنك المركزي قبل استئناف التيسير النقدي إلى رؤية تراجع متواصل في التضخم الشهري والأساسي، إلى جانب استقرار الجنيه وعدم حدوث موجة جديدة من ارتفاع أسعار الوقود والطاقة والنقل.
وقالت كبيرة اقتصاديي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى بنك الاستثمار «جيفريز»، علياء مبيّض لـ"العين الإخبارية"، إن البنك المركزي قد ينتظر تراجع التضخم إلى أقل من 10% قبل إجراء خفض واسع للفائدة، حتى يضمن استمرار الفائدة الحقيقية في النطاق الموجب، ويحافظ على جاذبية أدوات الدين الحكومية أمام المستثمرين الأجانب.

وتبلغ الفائدة الحقيقية، المحسوبة بصورة مبسطة على أساس الفارق بين عائد الإيداع البالغ 19% والتضخم الحضري عند 14.6%، نحو 4.4 نقطة مئوية، وهو هامش يوفر دعما للجنيه ويعزز قدرة السوق المصرية على المنافسة في جذب استثمارات أدوات الدين.
وأوضح الخبير المصرفي المصري، عز الدين حسانين لـ"العين الإخبارية"، أن السياسة النقدية تمر بمرحلة «توازن حذر»، لأن جزءا مهما من التضخم الحالي ناتج عن صدمات العرض وارتفاع تكلفة الطاقة والنقل، وهي عوامل لا يمكن للفائدة وحدها السيطرة عليها.
وقال المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، محمود نجلة لـ"العين الإخبارية"، أن هبوط التضخم السنوي لا يكفي لاتخاذ قرار سريع بخفض الفائدة، في ظل صعود التضخم الشهري واحتمال زيادة السيولة الناتجة عن رفع الأجور والمعاشات وبرامج الحماية الاجتماعية.
ويتفق الخبير المصرفي محمد عبد العال مع هذا الاتجاه، موضحًا لـ"العين الإخبارية" أن بيانات التضخم تبعث برسالتين متعارضتين؛ الأولى إيجابية تتمثل في تراجع المعدل السنوي، والثانية تحذيرية ترتبط باستمرار الزيادات الشهرية في أسعار الغذاء والخدمات.
وبناءً على ذلك، فإن خفض أسعار الفائدة أصبح أقرب من السابق، لكنه لن يكون بالضرورة في اجتماع يوليو/تموز، وقد يظهر الاحتمال بصورة أكبر خلال الربع الأخير من عام 2026 إذا هدأت أسعار الطاقة واستقر الدولار واستمر التضخم في التراجع، بينما ترجح مؤسسات مالية بدء دورة أكثر وضوحًا خلال الربع الأول من عام 2027.
هل يبدأ عصر الفائدة المنخفضة؟
وفقا لتوقعات الخبراء فإن مصر قد تدخل مرحلة خفض تدريجي للفائدة، لكنها لن تعود سريعا إلى مستويات الفائدة المنخفضة التي سبقت موجات التضخم وتحرير سعر الصرف.
ويتوقع بنك «HSBC»، استقرار سعر عائد الإيداع عند 19% خلال ما تبقى من عام 2026، ثم تراجعه إلى 17% خلال الربع الأول من عام 2027، وإلى 14% خلال الربع الثاني.
كما تتوقع «فيتش سوليوشنز» تثبيت الفائدة حتى نهاية عام 2026، قبل خفضها بنحو 4 نقاط مئوية خلال عام 2027، مع استمرار الاتجاه النزولي للتضخم.
وتشير التوقعات إلى أن البنك المركزي المصري مقبل على دورة تيسير نقدي ممتدة وليست خطوة واحدة، إذ سيحرص البنك المركزي على تنفيذ تخفيضات محسوبة، ربما بواقع 100 أو 200 نقطة أساس في كل مرة، مع تقييم أثر كل قرار على الأسعار والجنيه وتدفقات النقد الأجنبي.
ما القطاعات الأكثر استفادة من خفض الفائدة؟
وقال الخبير المالي المصري الدكتور محمد عبدالرحيم لـ"العين الإخبارية"، سيكون القطاع الصناعي في مقدمة المستفيدين، لأن ارتفاع تكلفة الاقتراض يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه الشركات الراغبة في تمويل خطوط إنتاج جديدة أو شراء الآلات والمعدات أو زيادة رأس المال العامل.
ومع انخفاض الفائدة، ستتراجع تكلفة تمويل المخزون واستيراد مستلزمات الإنتاج، ما قد يساعد المصانع على زيادة الطاقة التشغيلية وتحسين قدرتها التنافسية والتصديرية.
كما ستستفيد المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي تتأثر بصورة أكبر من الشركات الكبرى بارتفاع تكلفة الائتمان، خاصة أن هذه المشروعات تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل المصرفي لتغطية العمليات اليومية والتوسع.
ويأتي قطاع التشييد والعقارات ضمن أبرز المستفيدين، سواء من خلال انخفاض تكلفة التمويل على المطورين أو تحسن قدرة العملاء على الاقتراض وتقسيط الوحدات، إلى جانب استفادة قطاعات الأسمنت والحديد ومواد البناء والمقاولات.
كما قد تشهد قطاعات السيارات والأجهزة الكهربائية والسلع المعمرة تحسنًا تدريجيًا في المبيعات، نتيجة تراجع تكلفة قروض الأفراد وبرامج التقسيط، بعد فترة شهدت ضعفًا في الطلب بفعل ارتفاع الأسعار والفائدة.
وقال الخبير الاقتصادي ورئيس إحدى شركات الأوراق المالية، الدكتور معتصم الشهيدي لـ"العين الإخبارية"، إن البورصة المصرية ستستفيد إذ يؤدي تراجع عوائد الشهادات وأدوات الدخل الثابت عادة إلى توجيه جزء من السيولة نحو الأسهم، خاصة أسهم الشركات الصناعية والعقارية والمالية والشركات ذات المديونية المرتفعة.
أما البنوك، فسيكون التأثير عليها مزدوجًا؛ فقد تتراجع هوامش العائد من بعض الأنشطة، لكن انخفاض الفائدة قد يؤدي في المقابل إلى زيادة الطلب على القروض وتحسن قدرة العملاء على السداد وتراجع مخاطر التعثر.
وتعد الموازنة العامة من أكبر المستفيدين المحتملين، بسبب انخفاض تكلفة خدمة الدين الحكومي. ويشير البنك الدولي إلى أن مدفوعات الفائدة استحوذت على نحو 10.6% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يحد من المساحة المتاحة للإنفاق على الخدمات والاستثمار العام.
هل تعود الاستثمارات بقوة؟
خفض الفائدة يمكن أن يشجع الاستثمار المحلي، لكنه لا يضمن وحده عودة الاستثمارات بقوة، إذ يتوقف القرار الاستثماري على مجموعة أوسع من العوامل، تشمل استقرار سعر الصرف وتوافر النقد الأجنبي ووضوح السياسات الضريبية وسهولة الحصول على التراخيص والأراضي والطاقة.
ومن المتوقع أن يظهر الأثر الأسرع لدى الشركات المحلية التي أجلت توسعاتها بسبب ارتفاع تكلفة التمويل، إذ قد تعيد دراسة مشروعاتها مع بدء تراجع الفائدة على القروض.
أما الاستثمار الأجنبي المباشر، فلن يتحرك لمجرد خفض الفائدة، لكنه قد يستفيد من تحسن الاستقرار الاقتصادي وانخفاض التضخم ووضوح سوق الصرف، إلى جانب الإصلاحات المرتبطة بالمنافسة وتقليص دور الدولة في بعض الأنشطة وإتاحة مساحة أكبر للقطاع الخاص.
وفي مايو/أيار 2026، وافق البنك الدولي على تمويل جديد بقيمة مليار دولار لدعم خلق الوظائف بقيادة القطاع الخاص وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والمالي، مؤكدًا أن الإصلاحات المتعلقة بتوحيد سعر الصرف والانضباط المالي ساعدت على إعادة بناء الاحتياطيات وتحسين معنويات المستثمرين.
لكن التأثير على استثمارات المحافظ المالية، أو ما يعرف بالأموال الساخنة، سيكون مختلفًا فخفض الفائدة يقلل العائد على أدوات الدين الحكومية، وقد يدفع بعض المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على الجنيه، إلا أن استمرار الفائدة الحقيقية الموجبة واستقرار سعر الصرف قد يحافظان على جاذبية السوق.
ويري العضو المنتدب ورئيس قطاع البحوث في «سي آي كابيتال»، منصف مرسي لـ"العين الإخبارية"، أن التضخم المحلي سيظل العامل الحاسم في قرارات السياسة النقدية، بينما تمثل اتجاهات الفائدة الأمريكية عاملًا مؤثرًا، لكن ليس العامل الوحيد.
ماذا سيحدث لشهادات الادخار؟
لن تتأثر الشهادات ذات العائد الثابت التي اشتراها العملاء بالفعل، إذ يستمر صرف العائد المتفق عليه حتى تاريخ الاستحقاق، بغض النظر عن قرارات البنك المركزي اللاحقة.
أما الشهادات ذات العائد المتغير، فستنخفض عوائدها تلقائيًا أو عند مواعيد المراجعة المحددة، لأنها ترتبط عادة بسعر الإيداع لدى البنك المركزي أو بمؤشر مرجعي آخر.
وبالنسبة إلى الشهادات الجديدة، فمن المرجح أن تتجه البنوك إلى خفض عوائدها تدريجيًا مع بدء دورة التيسير النقدي، خاصة الشهادات مرتفعة العائد التي طُرحت خلال فترات التضخم ونقص السيولة بالعملة المحلية.
ومع ذلك، قد لا تخفض جميع البنوك العائد بالسرعة نفسها، إذ تعتمد قرارات التسعير على احتياجات كل بنك للسيولة وهيكل الودائع والقروض والمنافسة داخل السوق.
وقد يدفع انخفاض عائد الشهادات بعض المدخرين إلى البحث عن بدائل مثل الذهب والعقارات وصناديق الاستثمار وأذون الخزانة والأسهم، ما يعيد توزيع السيولة بين الأوعية الادخارية والاستثمارية.
كيف يتأثر الدولار بخفض الفائدة ؟
يؤدي خفض الفائدة إلى تقليل جاذبية الاحتفاظ بالجنيه، ما قد يفرض بعض الضغوط على سعر الصرف، خاصة إذا تزامن القرار مع خروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين أو ارتفاع فاتورة الاستيراد.
لكن خفض الفائدة لا يعني بالضرورة ارتفاع الدولار بصورة تلقائية، لأن حركة العملة تعتمد على توازن العرض والطلب على النقد الأجنبي، وإيرادات السياحة وتحويلات المصريين بالخارج والصادرات وقناة السويس وتدفقات الاستثمار.
وتبقى فاتورة استيراد الطاقة أحد أبرز المخاطر، إذ قد تؤدي زيادة أسعار النفط والغاز والشحن إلى رفع الطلب على الدولار وإعادة الضغوط التضخمية.
ولهذا السبب، سيحرص البنك المركزي على ألا تكون تخفيضات الفائدة أسرع من قدرة سوق الصرف على استيعابها، وعلى الإبقاء على عائد حقيقي موجب يحافظ على جاذبية الجنيه.
ماذا يحدث للذهب حال خفض الفائدة؟
يميل الذهب إلى الاستفادة من انخفاض الفائدة، لأن تراجع عوائد الشهادات والودائع يقلل تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن الذي لا يدر عائدًا دوريًا وفقًا لخبير صناعة وتجارة الذهب والمجوهرات أمير رزق الذي أكد لـ"العين الإخبارية"، أن خفض أسعار الفائدة قد ينتقل جزء من مدخرات الأفراد إلى السبائك والجنيهات الذهبية مع انخفاض عوائد الأوعية المصرفية، ما يدعم الطلب المحلي.
ويتاثر سعر الذهب في مصر بصورة أساسية على سعر الأونصة عالميًا وسعر الدولار أمام الجنيه وحجم العرض والطلب داخل السوق.
وبالتالي، قد ترتفع أسعار الذهب بقوة إذا تزامن خفض الفائدة مع صعود الأونصة عالميًا أو تراجع الجنيه، بينما يكون التأثير محدودًا إذا ظل الدولار مستقرًا وتراجعت الأسعار العالمية.
هل تنخفض أسعار العقارات؟
من غير المرجح أن يؤدي خفض الفائدة إلى انخفاض أسعار العقارات، بل قد يدعم الطلب ويرفع معدلات البيع، نتيجة تحسن قدرة المشترين على التقسيط وانخفاض تكلفة التمويل على الشركات.
وقد يساعد تراجع الفائدة المطورين على خفض تكلفة الاقتراض، لكنه لا يعني بالضرورة تقديم وحدات بأسعار أقل، لأن أسعار الأراضي ومواد البناء والأجور والطاقة وسعر الدولار تظل عناصر أساسية في تحديد التكلفة.
والسيناريو الأقرب هو أن يساهم خفض الفائدة في زيادة حركة المبيعات وإطالة فترات السداد وطرح نظم تقسيط أكثر مرونة، مع احتمال تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار إذا استقرت تكلفة مواد البناء وسعر الصرف.
كما قد ينتقل جزء من أصحاب الشهادات البنكية إلى شراء العقارات بوصفها مخزنًا للقيمة، وهو ما يدعم الطلب، خصوصًا في المدن الجديدة والمشروعات ذات الجداول الزمنية الواضحة.
هل يحقق الاقتصاد نموا أعلى مع انخفاض تكلفة التمويل؟
يستطيع الاقتصاد المصري تحقيق معدل نمو أعلى مع تراجع الفائدة، لكن الأثر لن يظهر فورًا، إذ تحتاج قرارات السياسة النقدية عادة إلى عدة أشهر حتى تنتقل إلى القروض والاستثمار والإنتاج والاستهلاك.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى نمو الاقتصاد المصري بنسبة 5.3% خلال النصف الأول من السنة المالية 2025-2026، مقارنة بـ3.9% خلال الفترة نفسها من العام السابق، مدعومًا بتحسن الصناعة غير البترولية والسياحة والاتصالات وحركة قناة السويس.
ويتوقع البنك الدولي نمو الاقتصاد بنسبة 4.3% خلال السنة المالية 2025-2026، بينما يتوقع صندوق النقد الدولي نموًا حقيقيًا بنحو 4.2% خلال عام 2026، مع تضخم متوقع يبلغ 13.2%.
ويمكن لانخفاض تكلفة التمويل أن يرفع معدل النمو من خلال زيادة استثمارات القطاع الخاص وتحفيز الطلب على السلع المعمرة والعقارات، وتحسين قدرة الشركات على التوسع والتوظيف.

