«جزيرة الألف بركان».. جوهرة إسبانية مخفية بعيدا عن الزحام السياحي
إذا كنت تبحث عن وجهة أوروبية بعيدة عن صخب السياحة الجماعية، فقد تكون هذه الجزيرة الإسبانية الصغيرة هي الخيار المثالي.
ففي وقت تكتظ فيه أشهر الوجهات بالزوار، تظل جزيرة إل هييرو، الواقعة في أقصى غرب أرخبيل الكناري، بعيدة عن الأضواء، محافظةً على طبيعتها البكر ونمط حياتها الهادئ.
بمزيج فريد من المناظر البركانية الخلابة، والتقاليد العريقة، والطموحات البيئية المتقدمة، باتت هذه الجزيرة ملاذًا للباحثين عن تجربة سفر أصيلة، وهو ما يفسّر بقائها أحد أفضل الأسرار المحفوظة في أوروبا، وفقًا لمجلة "جيو" الفرنسية.
جزيرة بركانية معزولة خارج مسارات السياحة التقليدية
في الوقت الذي تستقبل فيه جزر مثل تينيريفي ولانزاروت وغران كناريا ملايين الزوار سنويًا، تمثل إل هييرو استثناءً لافتًا. فبينما استقطبت تينيريفي أكثر من ستة ملايين سائح دولي في عام 2024، لم يتجاوز عدد زوار إل هييرو 4100 سائح فقط، وهو فارق كبير يُعزى أساسًا إلى محدودية الوصول إليها، إذ لا توجد رحلات جوية دولية مباشرة إليها، كما تخلو من المنتجعات السياحية الضخمة.
ويبلغ عدد سكان الجزيرة نحو 12 ألف نسمة، ما يمنحها طابعًا مختلفًا تمامًا عن المنتجعات الشاطئية الأخرى في الكناري. وتُعرف بلقب “جزيرة الألف بركان”، حيث تضم نحو 500 فوهة بركانية ظاهرة، إضافة إلى قرابة 300 أخرى غطتها تدفقات الحمم البركانية الحديثة.
وقد شكّلت هذه الظواهر الطبيعية تضاريس مذهلة تجمع، في مساحة صغيرة لا تتجاوز 260 كيلومترًا مربعًا، بين منحدرات سوداء تطل على المحيط، وغابات صنوبر تعانق السحب، وبرك طبيعية منحوتة في الصخور البركانية.

زراعة مبتكرة وتراث زراعي متجذّر
أسهمت هذه الجغرافيا الفريدة في تطوير نمط زراعي مميز. ففي وادي “إل غولفو”، وهو منخفض طبيعي بعمق 1500 متر ناتج عن انهيار أرضي قديم، تحتل الزراعة موقعًا مهمًا في الاقتصاد المحلي.
وإلى جانب المحاصيل التقليدية، بدأ المزارعون في تجربة زراعة البن والكاكاو و”فاكهة التنين”، مستفيدين من تقنيات الزراعة المستدامة التي تتلاءم مع ظروف الجزيرة.
كما تتميز إل هييرو بتراثها في زراعة الكروم، حيث ساهمت عزلتها في الحفاظ على أنواع من العنب اندثرت في أجزاء كبيرة من أوروبا بعد أزمة "الفيلوكسيرا" في أواخر القرن التاسع عشر. ولا تزال مزارع الكروم جزءًا أصيلًا من المشهد الطبيعي والثقافي للجزيرة، في دلالة على عمق تقاليدها الزراعية.
ويعد نوع “بابوسو نيغرو” من أبرز هذه الأصناف النادرة، وفي دلالة على أهمية النبيذ في ثقافة الجزيرة، يقول ألفريدو هيرنانديز غوتييريز، المسؤول عن كازا ديل أغواردينتي" كان هناك وقت، ليس ببعيد، كنا نشرب فيه النبيذ المحلي لأنه كان أكثر توفرًا وأقل تكلفة من الماء".
بين الحفاظ على التراث والانفتاح على المستقبل
رغم تمسكها بتراثها الطبيعي، تحرص إل هييرو أيضًا على صون تقاليدها الثقافية. ومن أبرزها “سيلبو إيرينيو”، وهي لغة صفير تعود إلى السكان الأوائل للجزيرة، وكانت تُستخدم للتواصل عبر المسافات الطويلة في التضاريس الوعرة. وبعد أن كادت تختفي في تسعينيات القرن الماضي، أُعيد إحياؤها من خلال برامج تعليمية مجانية تستهدف الأجيال الشابة، ولا تزال تُدرّس في المدارس وتُمارس في الفضاءات العامة.
كنوز بحرية واقتصاد مستدام
يمثل الساحل أحد أهم عناصر الجذب في الجزيرة، خاصة قبالة قرية “لا ريستينغا”، حيث تقع محمية “مار دي لاس كالماس” البحرية، المشهورة بتضاريسها البركانية وشعابها المرجانية وصفاء مياهها الذي قد يصل إلى 30 مترًا من الرؤية تحت الماء. ولا يزال الصيادون المحليون يمارسون الصيد التقليدي للحفاظ على التنوع البيولوجي.

ريادة عالمية في الطاقة المتجددة
برز اسم إل هييرو عالميًا في مجال الطاقة النظيفة، إذ تسعى الجزيرة للاعتماد الكامل على مصادر الطاقة المتجددة. ويُعد مشروع “غورونا ديل فيينتو” أبرز هذه المبادرات، حيث يجمع بين خمس توربينات رياح بارتفاع 60 مترًا ونظام مائي يعتمد على خزانين داخل فوهات بركانية قديمة. وفي عام 2019، حقق المشروع رقمًا قياسيًا عالميًا بتزويد الجزيرة بالكهرباء لأكثر من 24 يومًا متواصلة دون استخدام الوقود الأحفوري.
سياحة مستدامة… لكن بحذر
تسعى الجزيرة اليوم إلى تطوير سياحة مستدامة عبر تقديم تجارب جديدة مثل زيارة المتاحف، وجولات مزارع الكروم، وورش صناعة الجبن، وتجارب الصيد التقليدي. ومع ذلك، يحرص السكان على الحفاظ على نمط حياتهم البسيط.
من جانبها، قالت إحدى السكان المحليين: "نحن سعداء بقدوم المزيد من الزوار، لكن الحفاظ على أسلوب حياتنا البسيط هو الأهم".
وأضافت: “إيقاع الحياة هنا يمنحك الوقت والمساحة لاكتشاف نفسك… وهذا أمر نادر للغاية في عالمنا المضطرب اليوم”.
تجسد جزيرة إل هييرو نموذجًا فريدًا لوجهة سياحية تجمع بين العزلة والجمال الطبيعي والاستدامة. وبينما تتجه أنظار العالم إلى الوجهات المزدحمة، تظل هذه الجزيرة الإسبانية الصغيرة خيارًا استثنائيًا لمن يبحثون عن الهدوء والأصالة وتجربة مختلفة تمامًا عن السياحة التقليدية.


