سياسة

الانتخابات وتركيا "الجديدة" تحت حكم أردوغان الموسع

الثلاثاء 2018.6.26 10:05 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 474قراءة
  • 0 تعليق
يوسف الشريف

أنقذ القوميون الرئيس رجب طيب أردوغان في الانتخابات الرئاسية؛ وأمنوا له الفوز في الجولة الأولى رغم تراجع أصوات حزبه الذي يتزعمه، والذي فقد الأغلبية التي كان يحظى بها في البرلمان ليصبح محكوماً بمصالح شريكه القومي دولت باهشلي. فاز أردوغان في الانتخابات الرئاسية في الجولة الأولى بفارق نقطتين فقط ليحصد 52% من الأصوات مقابل حصول حزبه على 43% فقط . بالمحصلة حصل الرئيس أردوغان على ما أراده ليكون أول رئيس للجمهورية التركية الذي يتمتع بنظام حكم رئاسي تنفيذي واسع الصلاحيات لسنوات خمس قادمة قابلة للتجديد، لكن قبل الحديث عن معنى ذلك سياسياً ومستقبل تركيا تحت حكمه الجديد تجدر الإشارة أولا إلى بعض النقاط اللافتة في نتيجة الانتخابات.

أول تحد كبير سيواجه الرئيس أردوغان هو إنقاذ الاقتصاد، وإثبات قوله بأن الأزمة الاقتصادية الحالية هي "مؤامرة دولية لمنعه من الفوز في الانتخابات"، وأنه يستطيع تحسين الاقتصاد من خلال فرض سيطرته على البنك المركزي وخفض أسعار الفائدة بالأمر المباشر دون مراعاة قوانين الاقتصاد العالمي

استطلاعات الرأي التي كانت ترجح احتكام الانتخابات إلى جولة ثانية، صدقت في كثير من تفاصيلها ما عدا فوز أردوغان من الجولة الأولى، فحزب العدالة والتنمية الحاكم حصل على 43% من الأصوات، كما حصد مرشح الرئاسة المعارض محرم إنجه على 30% ، فيما حصل مرشح المعارضة الكردي صلاح الدين دميرطاش على 8% ، وهي جميعها تطابق ما جاء في استطلاعات الرأي، بينما أشارت هذه الاستطلاعات إلى احتمال حصول أردوغان على نفس نسبة أصوات حزبه على اعتبار أن كثيراً من القيادات القومية أعلنت أنها لن تصوت لأردوغان قبل الانتخابات، فيما لم تحصل المرشحه الرئاسية القومية المعارضة ميرال أكشنار إلا على 7% مقابل 15% التي كانت متوقعة، وكذلك المرشح الرئاسي الإسلامي المعارض تمل كرم الله أوغلو حصل على 1% فقط بدلاً من 3% المتوقعة. هذه النقاط التسع التي لم يحصل عليها المرشحان ذهبت إلى الرئيس أردوغان فرفعت نسبة أصواته من 43% المتوقعة إلى 52 % التي حصل عليها.

هنا تجب الإشارة إلى تصريحات مرشح الرئاسة الخاسر الأقوى محرم إنجه الذي قال بعد إعلان نتائج الانتخابات، بأنه يقبل بالنتيجة لكنه يؤكد أن الانتخابات لم تجر في ظروف عادلة، فحرص الرئيس أردوغان على منع السيدة أكشنار من الظهور على شاشات الإعلام، وعرقلة عدد من تظاهراتها الانتخابية – من خلال قطع الكهرباء عليها تارة وإلغاء بعضها تارة أخرى بحجة عدم الحصول على إذن من السلطات المحلية – ساهمت في عدم تحقيق أكشنار النسبة المتوقعة لشعبيتها.

أيضا تجب الإشارة في هذا الإطار إلى أن المرشح الرئاسي الكردي صلاح الدين دميرطاش، الذي حصد 10% من الأصوات في الانتخابات الرئاسية السابقة عام 2014، فقد نقطتين من أصواته بسبب وجوده في السجن وعدم تمكنه من إجراء حملة انتخابية، علما بأنه محبوس احتياطياً على ذمة قضايا لم يصدر فيها حكم بعد، وقد أشارت تقارير الاتحاد الأوروبي ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي إلى أن وضع دميرطاش يلقي بظلال قاتمة على عدالة هذه الانتخابات.

نقطة أخيرة يجب التوقف عندها أيضاً في نتائج الانتخابات، وهي صعود أسهم حزب الحركة القومية بزعامة دولت باهشلي الذي تحالف مع الرئيس أردوغان بشكل غير مفهوم، وسنحتاج إلى بعض الوقت لظهور النتائج التحليلية للأصوات لفهم هذا الصعود في شعبية هذا الحزب، الذي كان قد استسلم لتراجع شعبيته إلى 5% قبل الانتخابات ولم يقم زعيمه بحملة انتخابية بالمعنى الحقيقي ولم يقدم أي وعود للناخبين، بل إن باهشلي قد تذمر أكثر من مرة علنا من حديث مرشحي حزب العدالة والتنمية – حليفه الانتخابي – أمام الناخبين من عن عدم ثقتهم في تحقيق الحزب القومي أي نتيجة داعمة للتحالف الحكومي، وقد اعترف أردوغان نفسه قبل ثلاثة أيام من الانتخابات بأن ضعف أداء حليفه القومي قد يضطره إلى الدخول في تحالفات مستقبلاً داخل البرلمان مع أحزاب معارضة، لعدم ثقته في تحقيق القوميين أية نتائج جيدة،كما أن جميع استطلاعات الرأي – بما فيها تلك التي أجرتها شركات قريبة من الحزب الحاكم – لم تعط القوميين أكثر من 5% فيما حقق 11% في الانتخابات، وسيبقى سر هذه النقاط الست التي حصدها القوميون مبهما لفترة من الوقت.

نعم حقق الرئيس أردوغان حلمه بتولي الرئاسة في ظل نظام رئاسي تنفيذي واسع الصلاحيات، لكنه سيبقى محكوماً لمصالح حليفه القومي، الذي قال في لقاء تلفزيوني قبل الانتخابات إنه ما زال على موقفه الرافض للعديد من سياسات أردوغان، لكنه دخل معه في حلف سياسي من أجل "التصدي للمؤامرات الخارجية التي تحاك ضد تركيا" على حد قوله، وهذه إشارة إلى أن القومي باهشلي سيكون شريكاً صعباً في حكم تركيا، وقد لا يمنح أردوغان حرية التصرف في عدد من القضايا التي لا يتفق مع أردوغان حولها.

سيبدأ الرئيس أردوغان في تشكيل حكومته الجديدة بعد أدائه القسم الدستوري بعد أيام، ويعين نواباً له في الرئاسة وفق النظام الجديد، ومن خلال هذه التشكيلة سيتضح للجميع خطة أردوغان المستقبلية لتركيا. ومن غير المتوقع أن يجري أردوغان أي تعديلات كبيرة على سياساته الحالية في الداخل والخارج، ولا نتوقع أن يصغي أردوغان إلى نصيحة منافسه الخاسر إنجه الذي دعاه لأن يكون رئيساً لكل الاتراك وليس لحزبه فقط، فالهدف الأساسي من سعي أردوغان لإقرار نظام الحكم الرئاسي هو تحقيق مشاريعه السياسية الخاصة دون أية عراقيل من مؤسسات الدولة، سواء القضاء أو الإعلام أو جهاز الدولة البيروقراطي.

أول تحد كبير سيواجه الرئيس أردوغان هو إنقاذ الاقتصاد، وإثبات قوله بأن الازمة الاقتصادية الحالية هي "مؤامرة دولية لمنعه من الفوز في الانتخابات"، وأنه يستطيع تحسين الاقتصاد من خلال فرض سيطرته على البنك المركزي وخفض أسعار الفائدة بالأمر المباشر دون مراعاة قوانين الاقتصاد العالمي، فهل سيستطيع أردوغان معالجة أمراض الاقتصاد المزمنة أم أن حكومته ستضطر إلى اللجوء إلى صندوق النقد الدولي؛ الذي طالما فاخر بأن حكومته هي التي أنهت ديون تركيا للصندوق سابقاً. كما أن الاستقطاب السياسي والمجتمعي في تركيا بلغ مداه ليقسم الشارع التركي إلى قسمين، مؤيد ومعارض لأردوغان.

على صعيد السياسية الخارجية، سيستمر أردوغان في الدعوة إلى "تركيا العثمانية"، ومن غير المتوقع أن نرى أي تغيير في سياساته تجاه دول الجوار، كما سيستمر في سياسة المناكفة مع الدول الأوروبية، في المقابل فإن علاقة أنقرة مع واشنطن بدأت بالتحسن التدريجي قبل الانتخابات، وبدا ظاهراً دعم الرئيس دونالد ترامب لأردوغان قبل الانتخابات في عدة مجالات، فيما سيكون من الصعب على الرئيس أردوغان تحقيق أي خطوات للمصالحة مع الأكراد في ظل احتياجه لدعم حليفه القومي باهشلي داخل البرلمان.

أما المعارضة، فستشهد العديد من التغييرات في الوجوه القيادية بعد هذه النتيجة، إذ من المتوقع أن يطالب محرم إنجه بزعامة حزبه وسيعمل على الإطاحة بالزعيم الحالي كمال كيليجدار أوغلو على اعتبار أن إنجه قد حقق نسبة عالية من الأصوات تجاوزت أصوات حزبه الذي حصل على 22% فقط في الانتخابات البرلمانية، كما يتوقع أن يضغط قياديو حزب الجيد على زعيمتهم ميرال أكشنار للتنحي من زعامة الحزب وإعطاء الفرصة لقيادي جديد بعد النتيجة الضعيفة التي حصلت عليها في الانتخابات الرئاسية والتي جاءت أقل من النسبة التي حصل عليها الحزب في الانتخابات البرلمانية وهي 10%.

فاز الرئيس أردوغان بالرئاسة لفترة جديدة، وسيعمل على تحقيق مشروعه لتغيير هوية تركيا وتحويلها من بلد يصنف نفسه دولة أوروبية ديمقراطية، إلى دولة عثمانية تتجه شرقاً وجنوباً نحو الشرق الأوسط، وفي المقابل خسرت تركيا فرصة مهمة لاستعادة هويتها كدولة اعتدال وسطية تعتبر نفسها جزءاً من المجتمع الأوروبي في علمانيتها وديمقراطيتها، وتقوم بدور الوسيط النزيه في دعم استقرار الشرق الأوسط.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات