سياسة

المصالحة الإريترية – الإثيوبية.. الإمارات كانت هناك

الأربعاء 2018.8.15 07:09 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 593قراءة
  • 0 تعليق
د. سمير صالحة

تساءل البعض "عما إذا كان بمقدور إثيوبيا وإريتريا التوصل إلى سلام فجاءت الإجابة السريعة والحاسمة إماراتية.. نعم ولمَ لا؟".

بشكل مفاجئ وغير متوقع، وقّع الرئيسان الإثيوبي أبي أحمد والإريتري أسياس أفورقي، قبل أيام في العاصمة الإريترية أسمرة، وثيقة الإعلان المشترك للسلام والصداقة أعيدت بموجبها العلاقات الدبلوماسية المقطوعة بين البلدين منذ عام 1998.

العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا تحددها ثلاثة مؤثرات أساسية بينها الجغرافي والسياسي والاجتماعي وكلها تتصل بالعلاقات بين دول الجوار. هناك أولا البنية الاجتماعية والعرقية وخصوصية العلاقة بين القبائل المشتركة في مناطق التماس البلدين، وهناك ثانيا منظومة البحر الأحمر التي تنتمي إليها الدولتان، ثم هناك بعد ذلك علاقة الدولتين بالدول المجاورة لهما.

لقد وصلت الدبلوماسية الإماراتية في الأعوام الأخيرة إلى عمق القرن الأفريقي الذي يحظى اليوم بالاهتمام الإقليمي والدولي، كونه يشكل المدخل إلى الممرات البحرية الاستراتيجية بدءا من البحر الأحمر مرورا بخليج عدن، ومضيق باب المندب، ووصولا إلى المحيط الهندي

قرار القيادة الإماراتية الدخول على خط الأزمة الإثيوبية الإريترية يأخذ بعين الاعتبار كل هذه العوامل إلى جانب الممرات المائية والمضائق الاستراتيجية في المنطقة التي تعني أكثر من دولة عربية وأفريقية.

قناعة غالبية الوسطاء والمتابعين عن قرب لملف الأزمة الإثيوبية الإريترية كانت استحالة تطبيع العلاقات بين البلدين دون حسم الخلاف الحدودي، وبصورة خاصّة انسحاب إثيوبيا من الأراضي الإريترية، وكان الحديث يدور حول وجود أكثر من تحرك وجهد ثنائي وإقليمي وأممي بذل على خط الوساطة بينهما دون نتيجة، فدخلت الإمارات على الخط بعيدا عن الأضواء لتسهم في إنهاء هذا النزاع المسلح الذي استمر لعقدين، وأسفر عن سقوط عشرات الآلاف بين قتلى وجرحى في الجانبين.

هناك مَن تابع زيارة ولي عهد أبوظبي الخاطفة إلى إثيوبيا خلال الشهر الماضي لتهنئة رئيس الوزراء أبي أحمد بمنصبه الجديد، لكن قلة هم الذين تابعوا الشق الاقتصادي الإنمائي الاستراتيجي في الزيارة الذي يفتح الباب أمام تحسين الاقتصاد الإثيوبي بدعم إماراتي وإعادة دفع العلاقات الإثيوبية الإريترية نحو التكامل الاقتصادي عبر تشغيل الموانئ البحرية المنفتحة على بعضها في البلدين.

ربما حكاية نجاح إثيوبيا وإريتريا في الأعوام الأخيرة بتسجيل خطوات إنمائية وانفتاح تجاري على دول المنطقة وفرص تأطير وتوسيع رقعة التعاون الإقليمي هناك، كانت بين أسباب تحرك الإمارات نحو استغلال هذه الفرصة الثمينة للتقريب بين الدولتين، ومن خلال ذلك توسيع رقعة التعاون الاقتصادي والسياسي بين الدول المتشاطئة في هذا الجانب من البحر الأحمر .

 استقرار إثيوبيا وإريتريا وتقاربهما وانفتاحهما هو مفتاح لاستقرار العديد من الدول المجاورة والقرن الأفريقي عموما، هناك منظومة أمنية متكاملة يدخل اليمن في إطارها، لا يمكن بناؤها من دون تعاون في العمق بين إثيوبيا وإريتريا، وهذا بين الأسباب الأخرى التي دفعت القيادة الإماراتية للتحرك.

المصالحة بين إثيوبيا وإريتريا إذا قد تكون حدثاً عابراً بالنسبة للبعض، لكنها غير ذلك تماما بالنسبة للعديد من العواصم ومراكز الثقل في القرن الأفريقي المنفتح على الخليج العربي، وفي مقدمته المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة.

أسهمت القيادة الإماراتية في إقناع القيادات السياسية الإثيوبية والإريترية بفوائد المصالحة والحاجة إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات بين أسمرة وأديس أبابا، وضرورة إنهاء الخلافات في ظل الأوضاع الإقليمية القائمة والارتدادات الإيجابية لهذا التقارب على البلدين سياسيا واقتصاديا وإنمائيا. لماذا لا تستخدم إثيوبيا الموانئ الإريترية؟ ولماذا تظل إريتريا في حالة استنفار وتيقظ عسكري دائم مع الجار الإثيوبي بدلا من البحث عن صيغ تقارب وتنسيق مشترك؟ لماذا لا يحسب البلدان ما سيتم جنيه إقليميا على ضوء مصالحتهما وتعاونهما الثنائي وما قد يدره من أرباح وفوائد على الدول المجاورة لهما؟

 هناك من يقول إن المصالحة الإثيوبية – الإريترية ستشكل حجر الزاوية لنظام أمني شامل في المنطقة الممتدة من بحر العرب إلى قناة السويس. ربما الإمارات هي بين من يرى ذلك أيضا.

السؤال الذي يطرحه البعض أيضا على ضوء المصالحة الإثيوبية الإريترية هو هل من علاقة بين الجهود الإماراتية الأخيرة باتجاه دعم هذه المصالحة وضرورة إنجازها سريعا وبين التصدي لمشروع التمدد الإيراني عبر اليمن؟ المعركة التي تريدها طهران طاحنة في ميناء الحديدة الاستراتيجي لا يمكن فصلها عن الدوافع التي أقنعت الكثيرين بضرورة التنبه والتحرك لإسقاط مشروع طهران من خلال التعاون والتنسيق وحماية المصالح المشتركة.

منح رئيس دولة الإمارات، الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، الرئيس الإريتري، أسياس أفورقي، ورئيس وزراء إثيوبيا، أبي أحمد، وسام زايد تقديرا لجهودهما في إنهاء الصراع والخلافات بين بلديهما، وفتح آفاق جديدة للتعاون والتنسيق المشترك والمساهمة في إحلال السلام وإرساء الاستقرار في المنطقة.

الوساطة هي عبارة عملية عن مفاوضات غير ملزمة يقوم بها طرف ثالث محايد يهدف إلى مساعدة طرفي النزاع للتوصل إلى حل النزاع القائم بينهما، وذلك من خلال اتباع واستخدام فنون مستحدثة في الحوار لتقريب وجهات النظر بين طرفي النزاع تحت غطاء من السرية. البعض يحلو له أن يصف الجهود الإماراتية لإنجاز عملية التقارب الإثيوبي الإريتري بالوساطة، هي أكثر من ذلك حتما.

 إلى الراغبين في معرفة المزيد، لقد وصلت الدبلوماسية الإماراتية في الأعوام الأخيرة إلى عمق القرن الأفريقي الذي يحظى اليوم بالاهتمام الإقليمي والدولي كونه يشكل المدخل إلى الممرات البحرية الاستراتيجية بدءا من البحر الأحمر مرورا بخليج عدن، ومضيق باب المندب، ووصولا إلى المحيط الهندي.

المزيد أيضا، كشف النقاب مؤخرا عن تفاصيل اتفاق بين الإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا وإريتريا، لبناء خط أنابيب لنقل النفط سيربط بين ميناء عصب في إريتريا والعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، خطوة لا يمكن فصلها عن الوساطة الإماراتية لإنهاء النزاع بين البلدين الأفريقيين حتما، لكنه في التعمق أكثر نجد أن قطع الطريق على التمدد والنفوذ الإيراني ومحاولة محاصرة الدول العربية والخليجية وتحركها في القرن الأفريقي، بين الدوافع الأساسية لخطوة استراتيجية من هذا النوع.


الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات