«التبريد الوهمي».. باحث يحذر من خطر خفي يهدد لاعبي المونديال
حذر باحث أسترالي، من أن فترات التبريد خلال مباريات كأس العالم 2026 قد لا تحقق الهدف الصحي المرجو منها إذا لم تُنفذ وفق أسس علمية .
وقال هاري براون، الباحث المشارك لما بعد الدكتوراه في مركز أبحاث الحرارة والصحة بجامعة سيدني بأستراليا، أن هذه الفترات قد تتحول من أداة لحماية اللاعبين إلى مجرد توقفات روتينية مرتبطة بالبث التلفزيوني والإعلانات.

وفي مقال نشره في دورية "نيتشر"، أوضح براون أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) يقدم فترات التبريد باعتبارها إجراءً لحماية اللاعبين من الإجهاد الحراري في ظل ارتفاع درجات الحرارة عالميًا، إلا أن التطبيق الحالي لا يعكس دائما الهدف الطبي الذي أنشئت من أجله.
وقال الباحث إن الأدلة العلمية تؤكد أن فترات التبريد يمكن أن تكون فعالة للغاية في الحد من مخاطر الأمراض المرتبطة بالحرارة، لكن نجاحها يعتمد على كيفية استخدامها. وأضاف أن هذه التوقفات يجب أن تُفعّل استنادا إلى مستوى الخطر الحراري الفعلي الذي يتعرض له اللاعبون، لا وفق جداول البث التلفزيوني أو الاعتبارات التجارية.
وأشار براون إلى أن الإرشادات الطبية للفيفا تنص على استخدام فترات التبريد عندما تتجاوز مؤشرات الإجهاد الحراري البيئي مستوى محددًا، يُقاس بدرجة حرارة «البصيلة الرطبة الكروية» البالغة 32 درجة مئوية. إلا أنه يرى أن هناك فجوة بين السياسة والتطبيق، إذ تُستخدم فترات التبريد في جميع المباريات تقريبًا، حتى تلك التي تُقام داخل ملاعب مكيفة أو في ظروف لا تشكل خطرا حرار يا مرتفعا.
وأوضح أن هذا النهج قد يؤدي إلى فقدان الثقة في إجراءات السلامة المرتبطة بالحرارة، لأن التوقفات عندما تُطبق في كل الظروف تتحول إلى جزء اعتيادي من المباراة بدلًا من كونها إجراءً وقائيًا مرتبطًا بوجود خطر حقيقي.
واستشهد الباحث بنتائج دراسات أجراها مع زملائه، تضمنت محاكاة مباريات كرة قدم تستمر 90 دقيقة في ظروف قاسية بلغت فيها درجة الحرارة 40 مئوية مع رطوبة نسبية وصلت إلى 41%. وأظهرت النتائج أن استخدام وسائل تبريد نشطة، مثل المناشف المغمورة في الثلج والمشروبات الباردة، إلى جانب تمديد فترة الاستراحة بين الشوطين قليلًا، ساهم بشكل واضح في خفض درجة حرارة الجسم وتقليل الضغط الواقع على القلب والجهاز الدوري.

في المقابل، أكد براون أن مجرد إيقاف اللعب دون توفير وسائل تبريد فعالة لم يحقق فوائد فسيولوجية تُذكر، موضحًا أن المشكلة ليست في التوقف نفسه، بل في الطريقة التي يُستغل بها هذا الوقت.
وأضاف أن هذه النتائج لا تقتصر أهميتها على الرياضة الاحترافية، بل تمتد إلى قطاعات العمل المعرضة للحرارة الشديدة، مثل مواقع البناء والحقول الزراعية. فوفقًا له، تُظهر الدراسات باستمرار أن الجمع بين الراحة والترطيب والتبريد النشط يقلل من الإجهاد الحراري ويحمي صحة العاملين.
ولفت الباحث إلى أن بعض الرياضات بدأت بالفعل في تطبيق استراتيجيات أكثر تقدمًا لإدارة المخاطر الحرارية. فبطولة أستراليا المفتوحة للتنس تعتمد نظامًا متعدد المستويات لتقييم الإجهاد الحراري يجمع بين الظروف البيئية واستجابة جسم الإنسان، ما يسمح باتخاذ إجراءات مرنة قد تشمل توفير وسائل تبريد إضافية أو حتى إيقاف المنافسات مؤقتًا. كما اعتمد الاتحاد العالمي للرجبي منذ عام 2025 إرشادات مماثلة تستند إلى الأدلة العلمية وتراعي المخاطر الفردية لكل لاعب.
ويرى براون أن السبب الرئيسي وراء بطء انتشار هذا النهج في الرياضات الأخرى يعود إلى تعقيده مقارنة بالاعتماد على قياسات درجات الحرارة فقط، موضحًا أن دمج العوامل الفسيولوجية يتطلب خبرات وأنظمة مراقبة أكثر تطورًا.
وفي ختام مقاله، دعا الباحث الهيئات الرياضية إلى اتخاذ ثلاث خطوات رئيسية لتحسين حماية الرياضيين من الحرارة، وهي: اعتماد معايير تستند إلى الاستجابة الفسيولوجية للجسم إلى جانب القياسات البيئية، وإلزام المنظمين بتوفير وسائل تبريد نشطة مثل الظل والمناشف المثلجة والمشروبات الباردة خلال فترات التوقف، إضافة إلى الحد من استغلال هذه الفترات للأغراض التكتيكية أو التجارية حتى يبقى هدفها الأساسي هو حماية صحة اللاعبين.
وأكد براون أن فترات التبريد ليست مشكلة بحد ذاتها، بل تمثل جزءًا مهمًا من الاستجابة العلمية لعالم يشهد ارتفاعًا متزايدًا في درجات الحرارة، إلا أن فعاليتها تعتمد على تطبيقها بالشكل الصحيح، وإلا فإنها قد تصبح مثالًا جديدًا على سوء ترجمة الأدلة العلمية إلى ممارسات عملية على أرض الواقع.