مفارقة غريبة تسيطر على صناعة الأزياء العالمية.. الأسعار تغلب الاستدامة
بينما يستعد قطاع التجزئة للنصف الأول من عام 2026، برزت مفارقة غريبة في صناعة الأزياء العالمية.
من جهة، تغصّ منصات عروض الأزياء في باريس والمتاجر الإلكترونية لعمالقة الموضة برسائل "الاستدامة" ودعم البيئة فيما يعرضونه من منتجات أزياء؛ حيث تركز دار المجوهرات الدنماركية باندورا على الألماس المصنّع مخبرياً، بينما تروّج غوتشي التابعة لمجموعة كيرينغ للبوليستر "الدائري"، وتُطلق تطبيقات البيع بالتجزئة الكبرى منصات لإعادة البيع.
لكن على الرغم من هذه الحملة التسويقية المكثفة، يُقرّ مسؤولو صناعة الأزياء بأن معظم المستهلكين، الذين يُعانون من أزمة غلاء المعيشة المستمرة، أصبحوا غير مستعدين لدفع المزيد مقابل منتج تم تصنيعه بطريقة أخلاقية تجاه البيئة، أو ما يُعرف بـ"علاوة الاستدامة".
بل أصبح المتسوقون أكثر انتقائية وحساسية للسعر، باحثين عن القيمة قبل كل شيء، وفق شبكة "سي إن بي سي".
ولا تزال صناعة الأزياء تُساهم بشكل كبير في تغير المناخ، إذ تُشكّل ما يقارب 10% من انبعاثات الكربون العالمية.
ولكن إذا لم يقتنع المستهلك بهذه الدعاية، فلماذا تُصرّ الصناعة على الترويج لأسلوب لا يُحقق مبيعات؟ الجواب هو إدارة المخاطر الصارمة والدقيقة.
التخلي عن استراتيجيات النمو التقليدية
وعلى مدار معظم العقد الماضي، كانت استراتيجية النمو المالي في قطاع التجزئة بسيطة، التوسع، وخفض تكاليف التوريد، واستخدام العروض الترويجية التكتيكية لتصريف المخزون.
وفي عام 2026، لم يعد بإمكان العلامات التجارية الاعتماد على هذه الاستراتيجيات لزيادة الأرباح، وفقًا لأحدث تقرير عن حالة الموضة الصادر عن ماكينزي وبيزنس أوف فاشن.
وبدلاً من ذلك، أصبحت قوة العلامة التجارية ومرونة التوريد من أهم الأدوات لحماية هوامش الربح.
وأشار مسؤولون تنفيذيون إلى أن تغييرات استراتيجيات هوامش الربح والتكاليف ستكون ثاني أهم عامل مؤثر في تشكيل القطاع عام 2026، بعد الاضطرابات التجارية كالرسوم الجمركية، بحسب التقرير.
وإضافةً إلى التحديات التي يواجهها القطاع، والمتمثلة في تذبذب طلب المستهلكين والمنافسة الشرسة من التجارة الإلكترونية، هناك صدمات اقتصادية كلية تؤثر على خطوط الإنتاج.
فقد أدى حصار مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار الطاقة، مما زاد من تكلفة الألياف الاصطناعية المرتبطة بالنفط كالبوليستر.
وبالنسبة لتجار التجزئة الذين يعملون بهوامش ربح ضئيلة، فإن ارتفاع التكاليف يجعل جهود الاستدامة أكثر صعوبة. ومع ذلك، يجادل البعض بأن تجاهل هذه المسألة يخلق نقطة ضعف أكبر.
وأدت حرب إيران وما تبعها من صدمة في قطاع الطاقة إلى قلق بعض الشركات بشأن النقل وسلاسل التوريد وأسعار المواد الخام، مما أدى إلى إهمال القضايا البيئية والاجتماعية، حسبما صرحت الرئيسة التنفيذية السابقة لشركة الملابس H&M، هيلينا هيلمرسون، لشبكة "سي إن بي سي".
وقالت، "هذا عندما لا يدرك المرء أن الاستدامة جزء لا يتجزأ من العمل التجاري، أولئك الذين ينظرون إلى الأمور من منظور طويل الأجل يحصلون الآن على دفعة إضافية، لأنه مع ارتفاع أسعار النفط، ترتفع أسعار البوليستر، وتتقلب تكاليف النقل بشكل كبير، مما يجعل بناء عمل تجاري مستدام أمرًا بالغ الصعوبة".
وأكدت هيلمرسون، التي تشغل حاليًا عضوية مجالس إدارة العديد من متاجر التجزئة، أن الاستدامة -التي تشمل كل شيء من إدارة الموارد إلى الربحية المستمرة- أصبحت رسميًا أولوية قصوى للمديرين الماليين.
وتساءلت، "كيف أضمن أن أكون أقل اعتمادًا على المواد الخام من غيري، حتى أتمكن من معرفة أسعاري بشكل أفضل وبناء عمل تجاري قوي؟"
وأضافت، "إنها مسألة تتعلق بتخفيف المخاطر، بل إنها ميزة تنافسية".

ليس هذا عملاً خيرياً
والمخاطر المالية جسيمةٌ أيضاً في أعلى مستويات السوق، حيث تشعر حتى دور الأزياء الفاخرة بآثار التقلبات البيئية.
وأشارت رئيسة قسم الاستدامة والشؤون المؤسسية في مجموعة كيرينغ، ماري كلير دافو، إلى أن المواد التي تُعرّف الفخامة، كالكشمير والجلود الفاخرة، عُرضةٌ لتغيرات المناخ.
وقالت لشبكة "سي إن بي سي" إن أنماط الطقس المتطرفة تُهدد إنتاج الكشمير في شرق آسيا، وتُهدد حرائق الغابات بتدمير مخزون المتاجر، كما يُهدد نقص المياه تشغيل المدابغ.
وقالت، «ليس هذا عملاً خيرياً، بل هو عملٌ تجاريٌّ بحت»، مُشيرةً إلى أن التخفيف من آثار تغير المناخ يُمكن أن يظهر مباشرةً في الميزانية العمومية للشركة، بقولها «أستطيع أن أُوضح بسرعةٍ أنه في بيان الأرباح والخسائر، يُصبح أمراً بالغ الأهمية».
وأضافت أن هذا في قطاع الرفاهية يُعد أيضاً وسيلةً لتحفيز الإبداع.
علامات الأزياء الأكثر استدامة في العالم
ووفق تقييم نشرته مجلة "ساستينابلتي ماجازين" مع بداية عام 2026 الجاري، تشمل أبرز علامات الأزياء المستدامة التي تعزز الشفافية وتقلل من آثارها السلبية، ستيلا مكارتني، وغوتشي، وبوما.
وأفادت دراسة أجرتها جامعة جنوب كاليفورنيا أن صناعة الأزياء انبعثت منها حوالي 2.1 مليار طن من الغازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري في عام 2018.
وبحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة، تضاعف إنتاج الملابس بين عامي 2000 و2015، بينما انخفضت مدة استخدامها بنسبة 36%.
وتقول المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، إنجر أندرسن، "تُفاقم الأزياء غير المستدامة أزمة الكوكب الثلاثية المتمثلة في تغير المناخ، وفقدان الطبيعة والأراضي والتنوع البيولوجي، والتلوث والنفايات. نحن بحاجة إلى التركيز على نهج الاقتصاد الدائري الذي يُعلي من شأن الإنتاج المستدام وإعادة الاستخدام والإصلاح".
وفي تقييم المجلة، كانت أكثر علامة موضة تجارية من حيث الاستدامة على مستوى العالم، علامة Stella McCartney التي جاءت في الترتيب الأول.
وقالت المجلة أنه منذ انطلاقها عام 2001، لم تستخدم ستيلا مكارتني الجلد أو الفراء أو الريش أو الجلود في تصاميمها، بل سعت لدعم المواد المستدامة مثل جلد الفطر والريش النباتي.
وتضمنت مجموعة ستيلا مكارتني لربيع وصيف 2026، التي عُرضت لأول مرة في أسبوع الموضة في باريس، قماش الدنيم الذي يُساعد على تنقية الهواء المحيط به، حيث يُزيل ثاني أكسيد الكربون والمركبات العضوية المتطايرة وأكاسيد النيتروجين. كما قدّم العرض منتج FEVVERS، وهو بديل نباتي للريش.