سياسة

سامحنا يا عبدالجواد

الأحد 2018.1.21 11:33 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 799قراءة
  • 0 تعليق
سوسن الشاعر

لك الله يا محمد عبدالجواد، آخر النحاسين المقدسيين في سوق الخواجات في القدس، الذي يحاول الصمود والبقاء في مواجهة ضعف السوق وشح زوارها، سامحنا يا عبدالجواد فلم نحسم بعد قرارنا، ونحتاج إلى عشرة أعوام، وربما عشرين عاماً، لنقرر إن كانت زيارتنا لك تطبيعاً أم لا تطبيع!

هل نزور القدس أم ذلك يعد تطبيعاً؟ كيف يمكن أن نفك عزلة المقدسيين، وحصارهم، وإقصاءهم، وندعمهم للصمود داخل القدس، وعدم هجرهم، دون أن نمنح الاحتلال الشرعية بمرورنا على حواجزه؟

تذكرت لقاءً أجرته صحيفة «العرب» مع السيد محمد عبدالجواد، قرأته قبل عدة أشهر، وأنا أستمع إلى الجدل السفسطائي المستمر منذ عقود حول جواز أو عدم جواز زيارة المقدسيين؛ إذ عادت للسطح مجدداً في المؤتمر الذي أقامه الأزهر لمناصرة القدس بالقاهرة يومي 17 و18 يناير/كانون الثاني، بالتعاون مع مجلس حكماء المسلمين، جدلية زيارة القدس، هل هي من «التطبيع» مع الكيان الصهيوني أم هي دعم للمقدسيين؟ وهو المؤتمر الذي حضره عدد من المشاركين العرب والأجانب مسلمين ومسيحيين ويهوداً من أكثر من 168 دولة، وعاد السؤال المطروح منذ ما بعد أوسلو ليتجدد الأسبوع الماضي في المؤتمر؛ هل نزور القدس أم ذلك يعد تطبيعاً؟ كيف يمكن أن نفك عزلة المقدسيين، وحصارهم، وإقصاءهم، وندعمهم للصمود داخل القدس، وعدم هجرهم، دون أن نمنح الاحتلال الشرعية بمرورنا على حواجزه؟

ومن الضروري أن نفرق، قبل الاستطراد في القراءة، بين الراغب في الدخول للقدس، والراغب في الدخول لتل أبيب! وأن نفرق بين الدخول عبر معاملات سفارات الدولة الفلسطينية والدخول عبر جوازات مطار بن غوريون، والتعامل مع الفلسطينيين هناك أم التعامل مع الإسرائيليين، فنحن نناقش هنا هل تعد زيارة العرب للمقدسيين عبر طلب تأشيرة من السفارات الفلسطينية للدخول إلى القدس من خلال إجراءاتها تطبيعاً مع الكيان الصهيوني أم لا؟

ليت مؤتمر الأزهر استضاف عبدالجواد ليحدثنا عن أسباب بقائه وحيداً في سوق «الخواجات» أقدم الأسواق المقدسية التي بناها المماليك، وكيف يمر يوم عبدالجواد عليه، وهو يحدث نفسه في دكانه وحيداً، ويستجدي الوقت، علّه يجزيه بزائر عابر لهذه السوق العريقة التي اشتاقت لصوت الأقدام تجوبها شرقاً وغرباً، لتمر على سوق العطارين وسوق اللحامين، وهي الآن خاوية بعد أن أغلق أصحاب الدكاكين محلاتهم، بسبب قلة الزائرين، وبسبب كثرة الضرائب الإسرائيلية.

ليتهم استضافوه ليخبرهم أن أمنية إسرائيل أن يتخلى عبدالجواد عن «عناده»، ويخلي محله، وييأس كغيره من النحاسين الذين يئسوا قبله؛ فإسرائيل تعمل وبخطى حثيثة على إخلاء القدس من أهلها الأصليين، وقد نجحوا في ذلك، فلم يبق منهم غير 40 في المائة فقط، وفقاً لإحصاءات «جيحون» مؤسسة المياه في بلدية القدس، أما وفقاً لإدارة الإحصاء في إسرائيل فإنها أقلَّ نسبة، إذ تقدر دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية عدد الفلسطينيين في القدس بـ324 ألفاً، أي 37 في المائة فقط مقابل 542 ألف إسرائيلي، أي 63 في المائة!! (موقع العربية).

أتيح للعرب الالتقاء بالمقدسيين، وزيارتهم في ديارهم، والمشي في شوارعهم، والالتقاء بتجارها وبفلاحيها وبحرفييها ومدرسيها وأطبائها، لكن غالبيتهم ترددوا خشية أن تكون تلك الزيارة خدمة للاحتلال وإقراراً بشرعيته، وتلك مخاوف مشروعة، فنحن لا نريد لهذا الكيان أن يشعر أننا نتساهل في الحق الفلسطيني في أن تكون له دولته، وعاصمتها القدس، كحق تاريخي وشرعي له، إنما بالمقابل تركنا المقدسيين ليواجهوا حملة التفريغ لوحدهم.

لا يسأل أيٌّ منا متى وكيف حدث هذا الانقلاب؟.. كيف انقلبت المعادلة؟ فبعد أن كان اليهود أقلية أصبحوا غالبية في هذه المدينة، إذ حتى عام 1967 كان عدد اليهود في القدس الشرقية صفراً، وفقاً لدراسة علمية لمحمد عوض الهزايمة بعنوان «القدس في الصراع العربي الإسرائيلي»، وحين فتحت المعابر عام 1993 بعد اتفاقية أوسلو كان عددهم لا يتجاوز 167 ألفاً، أما اليوم فيقدر عددهم بـ542 ألفاً!! وبعد أن كانت نسبة العرب 100 في المائة تضاءلت نسبتهم إلى 37 في المائة، وفقاً للإحصاءات الإسرائيلية.

وتتضاءل نسبة من هم على شاكلة عبدالجواد الصامد، إذ يواظب عبدالجواد على فتح دكانه، ولا ينسى الإشارة إلى كون ذلك محاولة متواضعة لإحياء سوق الخواجات التي أغلقت أغلبية محلاتها. ويتسع طموح عبدالجواد إلى أن ينتج تذكاراً مميّزاً من النحاس يقتنيه السائح أو الزائر للقدس «من صميم القدس» كما يقول، يحكي حكايتها، ويحمل رموزها.

ويقول: «عندما تذهب إلى مصر مثلاً تشتري تذكارات من صنع مصري، تحاكي الأهرام مثلاً، وهكذا في كلّ الدول، فلماذا لا تكون لدينا في القدس تذكارات للسياح، تحمل رموز القدس وفلسطين، مثل باب العامود أو باب الخليل أو قبة الصخرة، وتكون كذلك من صنع أبنائها وداخل أسواقها؟». («العرب» عدد 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017).

أخي عبدالجواد، على تحفك الفنية النحاسية لباب العمود وباب الخليل وقبة الصخرة أن تنتظر على الرف، فبعد المؤتمر صاحت قناة «الجزيرة» في تقرير عنوانه «هل تعلن السعودية والإمارات والبحرين علاقتها الرسمية مع إسرائيل قريباً؟».

وتلك صيحة من شأنها أن تبقي على نحاسياتك الرائعة «من صميم القدس» على الرف إلى أن نحسم الجدل، هل زيارتنا لكم خيانة لكم ولقضيتكم أو دعماً لكم؟

نقلا عن "الشرق الأوسط"

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات