فك لغز تفجير نورد ستريم.. عارضة أزياء تقود أخطر عمليات بحر البلطيق
في صباح عاصف من سبتمبر/ أيلول 2022، كانت أمواج بحر البلطيق تتجاوز المترين ارتفاعاً بينما تتقاذف يختاً شراعياً صغيراً بطول 15 متراً في عرض البحر.
داخل القارب، كان فريق من الغواصين الأوكرانيين يتجادل بشأن إلغاء المهمة بسبب سوء الأحوال الجوية. وبينما تراجع أفراد الفريق واحداً تلو الآخر، وقفت المرأة الوحيدة بينهم، المعروفة باسم مستعار هو "فريا"، لتؤكد استعدادها للنزول وحدها وإنجاز المهمة.
تلك اللحظة لم تكن سوى فصل من قصة استثنائية بدأت في كييف وانتهت عند واحدة من أكثر عمليات التخريب البحري إثارة للجدل في التاريخ الحديث، بحسب صحيفة التايمز.
ولدت فريا في العاصمة الأوكرانية خلال منتصف ثمانينيات القرن الماضي، ونشأت في كنف والدتها قبل أن تنخرط في أجواء الحياة الليلية الصاخبة التي شهدتها كييف مع بدايات الألفية الجديدة. عملت في عرض الأزياء وظهرت على أغلفة مجلات، لكنها وجدت شغفها الحقيقي عندما خاضت أول تجربة غوص في البحر الأسود.
تحول ذلك الشغف سريعاً إلى احتراف، فخلال سنوات قليلة أصبحت مدربة غوص وغواصة تقنية قادرة على العمل في أعماق تتجاوز 100 متر، وهو مستوى لا يبلغه سوى عدد محدود من المتخصصين في العالم.
تنقلت بين مواقع الغوص في بلدان عدة، واكتسبت خبرات واسعة في الكهوف المغمورة وحطام السفن والبيئات البحرية الخطرة.
ومع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2014 ثم العملية العسكرية الشاملة في فبراير/شباط 2022، تحولت حياتها بالكامل. شاركت في جمع التبرعات للقوات الأوكرانية وأسست مع عدد من صديقاتها مبادرات لتقديم المساعدات الإنسانية للمدنيين المتضررين من الحرب.

وفي ربيع 2022 تلقت اتصالاً من جهة أمنية أوكرانية كانت تبحث عن غواصين مدنيين يمتلكون مهارات استثنائية لتنفيذ مهمة سرية عالية الخطورة تستهدف البنية التحتية للطاقة الروسية.
بدأت عملية اختيار العناصر المشاركة عبر سلسلة معقدة من الاختبارات النفسية والأمنية، حيث خضع المرشحون لمقابلات مصورة، ومراقبة لسلوكهم واتصالاتهم، واختبارات ضغط شملت توقيفات واستجوابات صورية لقياس ردود أفعالهم تحت التهديد.
كانت فريا المرأة الوحيدة بين المرشحين النهائيين، وأثارت مشاركتها نقاشاً داخل فريق التخطيط بسبب افتقارها إلى خبرة استخدام أجهزة إعادة التنفس المتطورة.
إلا أن القائمين على العملية رأوا فيها عنصراً استثنائياً بفضل جرأتها وقدرتها على اتخاذ القرار في الظروف الحرجة، فتم اختيارها ضمن الفريق المكلف بالتنفيذ.
كان الهدف الرئيسي للعملية هو خطا الغاز الروسيان "نورد ستريم 1" و"نورد ستريم 2"، اللذان يمتدان لمئات الكيلومترات تحت مياه بحر البلطيق لنقل الغاز الروسي مباشرة إلى أوروبا.
وُضعت خطة تعتمد على تثبيت عبوات متفجرة مصنوعة من مزيج شديد القوة من مادتي الأوكتوجين والهيكسوجين عند نقاط الوصل بين مقاطع الأنابيب، باعتبارها أكثر أجزاء الخطوط عرضة للانهيار تحت تأثير الانفجار.
تدرب الفريق على تنفيذ المهمة داخل محجر مائي غرب كييف يحاكي ظروف الأعماق الحقيقية، حيث تعلم الغواصون نقل العبوات الثقيلة وتثبيتها بدقة في المواقع المستهدفة.

بعد أشهر من التأجيلات والانتظار، نُقل الفريق إلى منزل آمن في بولندا بانتظار استكمال الوثائق المزورة والترتيبات اللوجستية. وهناك تشكلت المجموعة النهائية التي ضمت فريا وثلاثة غواصين آخرين إلى جانب أفراد الدعم البحري.
وفي التاسع من سبتمبر/ أيلول 2022 أبحر الجميع على متن اليخت "أندروميدا" من جزيرة روغن الألمانية نحو بحر البلطيق، متخفين تحت غطاء رحلة بحرية اعتيادية.
توقف الفريق أولاً في جزيرتي بورنهولم وكريستيانسو الدنماركيتين قبل الوصول إلى موقع خطوط الأنابيب. وفي الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، ثبت القبطان اليخت فوق أحد خطوط "نورد ستريم 1" على عمق يقارب 80 متراً.
كانت فريا أول من نزل إلى الماء برفقة غواص آخر يحملان عبوة متفجرة تزن نحو 40 كيلوغراماً. استغرقت رحلة الهبوط عدة دقائق حتى اختفى ضوء الشمس تماماً.
وعند الوصول إلى القاع، ظهرت الأنابيب العملاقة وسط الظلام مثل ثعابين فولاذية هائلة. بدأ الغواصان البحث عن نقطة الوصل بين مقطعين من الأنبوب، ثم ثبتا العبوة المتفجرة عليها، فيما قامت فريا بتفعيل المؤقت الزمني المحدد للانفجار بعد خمسة عشر يوماً.
لم تتوقف العملية عند هذه الغطسة. فقد كان على الفريق تنفيذ سبع غطسات إضافية لزرع بقية العبوات. وخلال الأيام التالية تبدلت الأحوال الجوية بصورة دراماتيكية، إذ اشتدت الرياح وارتفعت الأمواج وتعرضت إحدى العبوات للسقوط في القاع والضياع.
اضطر الفريق إلى الاحتماء في ميناء آمن عدة أيام قبل استئناف المهمة وسط ضباب كثيف وأمطار وعواصف متلاحقة.
وفي إحدى أخطر اللحظات، عندما تردد الغواصون في مواصلة العمل، عرضت فريا النزول منفردة لإكمال المهمة، ما دفع بقية الفريق إلى تجاوز مخاوفهم ومواصلة التنفيذ. وبفضل تلك الروح تمكنوا من زرع جميع العبوات المطلوبة وإنهاء العملية قبل الموعد المحدد بيوم كامل.

عاد أفراد الفريق إلى جزيرة روغن وهم يعتقدون أن الجزء الأصعب قد انتهى. وفي الساعات الأولى من يوم 26 سبتمبر/أيلول 2022 بدأ تنفيذ المرحلة الأخيرة.
عند الساعة الثانية وثلاث دقائق فجراً دوى أول انفجار قرب جزيرة بورنهولم، مستهدفاً أحد خطوط "نورد ستريم 2". وبعد ساعات، عند السابعة وثلاث دقائق مساءً، وقعت سلسلة انفجارات ثانية أكثر قوة أصابت خطوط "نورد ستريم 1".
أدت التفجيرات إلى تمزيق أجزاء واسعة من الأنابيب، وإطلاق كميات هائلة من الغاز الطبيعي إلى مياه البحر والغلاف الجوي، في واحدة من أكبر حوادث تسرب الميثان المسجلة عالمياً.
صدمة سياسية وأمنية
أثارت التفجيرات صدمة سياسية وأمنية واسعة النطاق، دفعت ألمانيا والدنمارك والسويد إلى فتح تحقيقات موسعة، بينما تبادلت أطراف دولية الاتهامات بشأن المسؤولية عن الهجوم. وفي ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه عثر محققون ألمان على اليخت "أندروميدا" داخل حوض جاف في جزيرة روغن، حيث وجدوا بداخله آثار متفجرات وبصمات وأدلة جنائية متعددة، من بينها شعرة نُسبت إلى فريا.
ورغم نفي جميع الأشخاص المرتبطين بالقصة رسمياً أي علاقة لهم بالتفجيرات، تضع الرواية المتداولة حول العملية فريا في قلب واحدة من أكثر العمليات السرية تعقيداً في العصر الحديث.
فخلال أشهر قليلة انتقلت من مدربة غوص ومدنية تعمل في المجال الإنساني إلى عنصر محوري في مهمة استهدفت أحد أهم مشاريع الطاقة في أوروبا، وهي عملية لم تتجاوز كلفتها بضعة مئات الآلاف من الدولارات لكنها تركت آثاراً جيوسياسية ما زالت تتردد حتى اليوم.