من «سديه تيمان» إلى عوفر وعنتوت.. شهادات صادمة لمعتقلي غزة

شهادات صادمة تكشف عن تعذيب وسوء معاملة في معتقلات إسرائيلية جديدة مخصصة لأسرى قطاع غزة.
فتحت ضغط من المحكمة العليا الإسرائيلية لتحسين أوضاع معتقلين فلسطينيين من غزة، قام الجيش بنقل المئات منهم إلى معسكرات اعتقال جديدة.
لكن "الانتهاكات" في هذه المعسكرات "كانت بنفس السوء"، وفقا لمنظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية التي أجرت مقابلات مع عشرات المعتقلين الحاليين والسابقين، وتطلب الآن من المحكمة نفسها إجبار الجيش على حل المشكلة نهائيا. بحسب ما نشرته وكالة أسوشيتد برس.
سجن جديد ولكن المصير واحد
فبعد توثيق "انتهاكات مروعة" في مركز اعتقال "سديه تيمان" بصحراء النقب، بما فيها "الضرب المبرح والحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية"، افتُتح معسكرا "عوفر" و"عنتوت" في الضفة الغربية.
لكن شهادات عشرات المعتقلين، التي جمعتها منظمات حقوقية إسرائيلية، تؤكد أن "الانتهاكات استمرت بنفس الوحشية"، مما دفع تلك المنظمات إلى اللجوء مرة أخرى للمحكمة العليا للمطالبة بإنهاء هذه الممارسات إلى الأبد.
«اعتداء جنسي» على أسير فلسطيني.. إسرائيل تقر بتفاصيل مروعة
وقالت جيسيكا مونتيل، مديرة منظمة "هموكيد"، إحدى منظمات حقوق الإنسان التي تقدمت بعريضة إلى الحكومة الإسرائيلية: "ما رأيناه هو تآكل المعايير الأساسية للاحتجاز الإنساني".
وردا على طلب تعليق لوكالة أسوشيتد برس، قال الجيش إنه يلتزم بالقانون الدولي و"يرفض رفضا قاطعا الادعاءات المتعلقة بالإساءة المنهجية للمعتقلين".
تم بناء معسكر "عوفر" المترامي الأطراف و"عنتوت" الأصغر في الضفة الغربية لحل المشاكل التي وثقتها منظمات حقوقية في مركز احتجاز "سديه تيمان" بصحراء النقب.
و"سديه تيمان" كان مخصصا في البداية للاحتجاز المؤقت للمقاتلين الذين تم أسرهم بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 الذي شنته حماس. لكن هذا المركز تحول إلى منشأة احتجاز طويلة الأمد، حيث تعرض المعتقلون الفلسطينيون من غزة لمعاملة قاسية دون توجيه تهم إليهم.
شهادات صادمة
يقول المعتقلون المنقولون إلى "عوفر" و"عنتوت" إن الظروف هناك "لم تكن أفضل حالا"، وذلك وفقا لأكثر من 30 شخصا قابلهم محامو منظمة "هموكيد" ومنظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان بإسرائيل.
ولفتت وكالة أسوشيتد برس إلى أنها أول مؤسسة إخبارية دولية تغطي الإفادات الخطية الصادرة عن منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان.
خالد السر، 32 عاما، وهو جراح من غزة أمضى أشهرا في معسكر عوفر ووافق على التحدث عن تجاربه، يقول "سيعاقبونك على أي شيء".
والسر الذي أُطلق سراحه بعد ستة أشهر دون توجيه أي تهمة إليه، لم يعد يحصي عدد الضرب الذي تعرض له على يد الجنود بعد اعتقاله في مارس/آذار من العام الماضي خلال مداهمة مستشفى ناصر في خان يونس، جنوبي قطاع غزة.
وأضاف: "سيُعاقَب المرء لمجرد التواصل البصري، أو طلب الدواء، أو النظر إلى السماء".
ولا تزال روايات المعتقلين الآخرين للمنظمات الحقوقية مجهولة المصدر. ولم يتسن التحقق من رواياتهم بشكل مستقل، لكن شهاداتهم التي أُدلي بها كل على حدة كانت متشابهة، وفق المصدر.
وأمام هذه الشهادات، منحت المحكمة العليا الجيش مهلة حتى نهاية الشهر الجاري، للرد على الانتهاكات التي يُقال إنها تقع في عوفر.
احتجاز بلا تهم
منذ بدء الحرب، اعتقلت إسرائيل آلاف المعتقلين في غزة للاشتباه في صلتهم بحماس. كما أُفرج عن الآلاف، غالبا بعد أشهر من الاعتقال.
وخلال وقف إطلاق النار الذي بدأ في ١٩ يناير/كانون الثاني الماضي قبل أن ينهار مؤخرا، أُطلق سراح مئات المعتقلين. لكن مع استئناف العمليات البرية مؤخرا في غزة، استمرت الاعتقالات.
ويمتنع الجيش عن الإفصاح عن عدد المعتقلين الذين يحتجزهم.
وبعد أن أمرت المحكمة العليا الإسرائيلية بتحسين معاملة المعتقلين في سديه تيمان، أعلن الجيش في يونيو/حزيران، أنه بصدد نقل مئات المعتقلين، من بينهم 500 أُرسلوا إلى عوفر.
بُني "عوفر" على أرض فضاء بجوار سجن مدني يحمل الاسم نفسه. وتُظهر صور الأقمار الصناعية الملتقطة في يناير/كانون الثاني مجمعا مُسوّرًا، يضم 24 كرفانا تُستخدم كزنازين.
أما "عنتوت"، المُقام على قاعدة عسكرية في مستوطنة يهودية، فيضم ثكنتين، تتسع كل منهما لحوالي 50 شخصا، وفقا لمنظمة "هموكيد".
وبموجب القانون الإسرائيلي في زمن الحرب، يحق للجيش احتجاز الفلسطينيين من غزة لمدة 45 يوما دون اتصال بالعالم الخارجي. لكن في الواقع، يمضي الكثيرون فترات أطول بكثير.
وفي رسالة إلى النائب العام العسكري، ذكرت منظمة "هموكيد" الحقوقية أنه كلما التقى المعتقلون بمحاميها، كانوا يُجرّون "بعنف" إلى زنزانة - أحيانا حفاة الأقدام وغالبا معصوبي الأعين، فيما تُبقى أيديهم وأقدامهم مقيدة طوال اللقاءات.
"لا أعرف أين أنا"، هذا ما قاله أحد المعتقلين لمحاميه.
الرعاية الصحية "معدومة"
وبحسب شهادة خالد السر، فقد تم احتجازه مع 21 معتقلا آخر من غزة في زنزانة مساحتها 40 مترا مربعا، تضم ثمانية أسرّة بطابقين.
وذكر أن بعضهم كان ينام على الأرض على مراتب تخييم ثقبها الجنود لمنعها من النفخ. وكان الجرب والقمل منتشرَين على نطاق واسع.
وأشار إلى أنه لم يُسمح له بالخروج من زنزانته إلا مرة واحدة في الأسبوع.
"تعذيب"
في السياق ذاته، تحدث معتقلون من عوفر وعنتوت، عن تعرضهم للضرب بانتظام بالأيدي والهراوات.
وقال بعضهم إنهم احتُجزوا مكبلين بالأصفاد لأشهر، بما في ذلك أثناء نومهم وتناولهم الطعام، ولم يُفكوا من الأصفاد إلا عند السماح لهم بالاستحمام مرة واحدة في الأسبوع.
وأخبر ثلاثة معتقلين محتجزين في عنتوت المحامين أنهم كانوا معصوبي الأعين باستمرار. وروى أحدهم أن الجنود كانوا يوقظونهم كل ساعة أثناء الليل ويجعلونهم يقفون لمدة نصف ساعة.
هذا ما يأكله المعتقلون
وأسوأ ما في معتقل عوفر- بحسب السر- كان الرعاية الطبية، لافتا إلى أنه كان يعاني من قرحة مزمنة، لكن الحراس رفضوا إعطاءه مضادات الحموضة، مما أدى إلى تفاقم حالته.
وبعد 40 يوما شعر بتمزق داخل معدته، وعندما تم نقله إلى المستشفى، كان الجنود يضربونه طوال الطريق بينما كان كيس بلاستيكي مربوطا حول رأسه.
أما عن الطعام، فقد اشتكى المعتقلون من الجوع الدائم، حيث كانت الوجبات تتكون من بضع شرائح خبز أبيض مع خيار أو طماطم، وأحيانا قطعة شوكولاتة أو كاسترد.
وقالت ليهي جوفي، خبيرة تغذية إسرائيلية، إن هذه الحصة لا تتعدى 1000 سعرة حرارية يوميا، أي نصف الحد الأدنى اللازم للشخص البالغ، ووصفت النظام الغذائي في السجن بأنه "غير إنساني."
وبعد شكاوى قدمتها منظمات حقوقية في نوفمبر/تشرين الثاني، قالت جوفي إنها رأت قوائم طعام جديدة في سجن عوفر بتنوع أكبر، بما في ذلك البطاطس والفلافل - وهو تحسن، على حد قولها، ولكنه لا يزال غير كاف.
الجيش يوضح
وردا على أسئلة وكالة أسوشيتد برس، قال الجيش الإسرائيلي إنه لا علم له بمزاعم إيقاظ الجنود للمعتقلين.
وأضاف أن المعتقلين يُسمح لهم بالاستحمام بانتظام، ويُسمح لهم بالخروج يوميا في الفناء.
وأوضح أن الاكتظاظ أحيانا يُجبر بعض المعتقلين على النوم على "فرش على الأرض". مشيرا إلى أن أخصائي تغذية يوافق على وجبات المعتقلين، وأنهم يحصلون دائما على الماء.
العقاب بسبب مقابلة محام
بعد شهرين من احتجازه، أجرى السر مكالمة فيديو لمدة 5 دقائق مع قاضٍ، قال إنه سيبقى في السجن في المستقبل المنظور.
وفقا لنادية دقة، محامية في مركز هموكيد، فإن جلسات الاستماع هذه موجزة "بشكل منهجي". وأضافت أنه لا يوجد محامون، ولا يُسمح للمعتقلين بالتحدث.
بعد عدة أشهر، سُمح للسر بلقاء محام. لكنه لفت إلى أنه أُجبر على الركوع تحت الشمس لساعات قبل ذلك.
وأخبر معتقل آخر محامي منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان أنه تعرض للعقوبة نفسها. وكتب المحامي في ملاحظات مرفقة بالإفادة: "طوال الوقت، كان يهدد بالانتحار".
ومنذ إطلاق سراحه في سبتمبر/أيلول، عاد السر إلى العمل في مستشفى بغزة.
ورغم أن الذكريات ما زالت مؤلمة، فإن رعاية المرضى تُساعد السر من جديد، كما قال. "بدأت أنسى... أن أشعر بنفسي كإنسان من جديد".
وفي أوائل فبراير الماضي، أعلن الجيش أنه أغلق سجن "عنتوت"، لأنه لم يعد ضروريا "للاحتجاز قصير الأمد" في ظل امتلاء بقية السجون.
ولا يزال سجن سديه تيمان، الذي تم تطويره، قيد الاستخدام.
aXA6IDEzLjU5LjE0OS43OSA= جزيرة ام اند امز