الجينات تكشف «السارق الصامت للبصر».. دراسة تمهد للتنبؤ بالجلوكوما
توصل فريق من الباحثين إلى أن المعلومات الوراثية قد تتيح للأطباء التنبؤ بخطر الإصابة بالجلوكوما قبل ظهور أعراضه بسنوات.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية " أوفثالمولوجي"، واعتمدت على بيانات مشروع "فين جين" الفنلندي، أحد أكبر قواعد البيانات الوراثية في العالم، والذي يضم مئات الآلاف من المشاركين، بينهم أكثر من 21 ألف شخص مصاب بالجلوكوما (المياه الزرقاء).

مرض صامت يسرق البصر
ويُعد الجلوكوما السبب الرئيسي لفقدان البصر غير القابل للعلاج على مستوى العالم، إذ يتطور المرض ببطء ودون أعراض واضحة لسنوات، ما يؤدي إلى تشخيص كثير من المرضى بعد حدوث تلف دائم في العصب البصري، وهو تلف لا يمكن استعادته حتى مع العلاج.
ويرى الباحثون أن اكتشاف الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة قبل ظهور المرض قد يسمح بمتابعتهم بصورة دورية، والتدخل في الوقت المناسب للحفاظ على البصر.
بصمة جينية تكشف مستوى الخطر
ولتحقيق ذلك، استخدم الباحثون ما يُعرف بـ"درجة الخطورة الوراثية متعددة الجينات"، وهي أداة تجمع تأثير مئات أو آلاف المتغيرات الوراثية المرتبطة بالجلوكوما في مؤشر واحد يقدّر خطر الإصابة لدى كل فرد.
وأظهرت النتائج فروقًا كبيرة بين الأشخاص وفقًا لدرجاتهم الوراثية، إذ تبين أن نحو نصف الأشخاص الذين جاءت درجاتهم ضمن أعلى 1% من حيث الخطورة الوراثية أصيبوا بالجلوكوما خلال حياتهم، في حين لم تتجاوز نسبة الإصابة 3% بين الأشخاص الذين كانوا ضمن أقل 1% من حيث الخطورة.
لا تتنبأ بالإصابة فقط.. بل بشدة المرض أيضا
ولم يقتصر دور المؤشر الوراثي على توقع احتمالات الإصابة، بل أظهر أيضا قدرة على التنبؤ بمسار المرض بعد التشخيص، فقد كان المرضى ذوو الخطورة الوراثية المرتفعة أكثر احتياجا إلى استخدام عدة أدوية، والخضوع للعلاج بالليزر، أو إجراء جراحات لعلاج الجلوكوما، مقارنة بالمرضى ذوي الخطورة الوراثية المنخفضة.
وقال جوني تورونين، طبيب العيون والأستاذ المشارك في جامعة هلسنكي والمشارك في الدراسة: "تُظهر نتائجنا أن المعلومات الوراثية يمكن أن تحدد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالجلوكوما قبل ظهور المرض بعقود، وهو ما قد يتيح مستقبلًا توجيه برامج الفحص المبكر إلى الفئات التي تحتاجها بالفعل".

أكثر دقة من التاريخ العائلي
واعتمد الأطباء لعقود على التاريخ المرضي للعائلة لتقدير احتمالات الإصابة بالجلوكوما، إلا أن الدراسة تشير إلى أن درجة الخطورة الوراثية توفر تقديرا أكثر دقة بكثير من مجرد معرفة ما إذا كان أحد الأقارب قد أصيب بالمرض.
وتوضح الباحثة نينا مارس من معهد الطب الجزيئي في فنلندا أن المؤشر الوراثي يجمع تأثير عدد كبير من المتغيرات الجينية في مقياس واحد، ما يمنح صورة أكثر شمولا عن الاستعداد الوراثي للإصابة.
نحو طب شخصي للوقاية من فقدان البصر
ويؤكد الباحثون أن الدراسة تُعد من أكبر الدراسات عالميا التي تبحث، في الوقت نفسه، العلاقة بين الخطورة الوراثية واحتمالات الإصابة بالجلوكوما، وكذلك تأثيرها في تطور المرض وشدته.
ويقول الباحث إيميلي توسا، الذي قاد الدراسة في جامعة هلسنكي، إن النتائج تمثل أساسا قويا لإدماج المعلومات الوراثية في برامج الفحص المستقبلية، بما يتيح تطبيق مفهوم الطب الشخصي في الوقاية من أمراض العيون.

ويخطط الفريق البحثي في المرحلة المقبلة لإجراء دراسات متابعة طويلة الأمد لتقييم كيفية دمج اختبارات الخطورة الوراثية في الرعاية الصحية الروتينية، ودراسة ما إذا كان تطبيق برامج فحص تستند إلى المخاطر الوراثية سيكون مجديًا من الناحية الطبية والاقتصادية.
وأُجريت الدراسة بالتعاون بين معهد الطب الجزيئي في فنلندا بجامعة هلسنكي، ومركز فولكهالسان للأبحاث، وعيادة العيون التابعة لمستشفى جامعة هلسنكي.