موجة الذهب التاريخية تتعثر.. خبراء يحسمون الجدل بعد توقعات «جي بي مورغان»
لم يكن خفض عدد من بنوك العالم توقعاتها لأسعار الذهب مجرد تعديل رقمي عابر في تقارير الأسواق، بل فتح الباب أمام سؤال أكثر أهمية لدى المستثمرين: هل انتهت موجة الصعود التاريخية للمعدن النفيس أم أن ما يجري لا يتجاوز كونه استراحة إجبارية بعد قفزات غير مسبوقة؟
الإجابة التي يقدمها خبراء اقتصاد وأسواق مال لـ«العين الإخبارية» تميل إلى السيناريو الثاني؛ فالذهب، بحسب تقديراتهم، لم يفقد بريقه، لكنه يمر بمرحلة إعادة تسعير تحت ضغط الدولار، وتوقعات الفائدة الأمريكية، وتراجع شهية المستثمرين تجاه الأصول غير المدرة للعائد، بالتزامن مع انتقال جزء من السيولة إلى الأسهم والسندات.
وجاء الجدل بعد أن خفّض بنك «جي بي مورغان» توقعاته لأسعار الذهب خلال النصف الثاني من 2026، مرجحًا أن يبلغ متوسط سعر الأوقية نحو 4300 دولار في الربع الثالث، قبل أن يرتفع إلى 4500 دولار في الربع الرابع، بعدما كانت تقديراته السابقة تشير إلى مستويات أعلى قرب 6000 دولار بنهاية العام، مع الإبقاء على النظرة الإيجابية طويلة الأجل للمعدن النفيس.
وتزامن ذلك مع ضغوط واضحة على الأسعار العالمية، إذ تراجع الذهب في تعاملات الثلاثاء 7 يوليو/تموز 2026 للجلسة الثانية على التوالي، متأثرًا بصعود الدولار وترقب محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بينما ظلت الأسواق تراقب توترات الخليج وتداعياتها على أسعار الطاقة والتضخم.
ورغم هذه الضغوط، تشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن البنوك المركزية واصلت دعمها للسوق، بعدما سجلت مشتريات صافية بلغت 41 طنًا في مايو/أيار 2026، تصدرتها بولندا بنحو 18 طنًا، تلتها الصين بنحو 10 أطنان، في إشارة إلى استمرار الثقة الرسمية في الذهب كأصل احتياطي استراتيجي.
تصحيح بعد صعود قياسي
قال الخبير الاقتصادي المصري، الدكتور أحمد معطي، إن التراجعات الأخيرة في أسعار الذهب لا يمكن قراءتها بمعزل عن موجة الصعود الحادة التي سبقتها، موضحًا أن الأسواق تمر عادة بمرحلة جني أرباح بعد الارتفاعات الكبيرة، خصوصًا عندما تتغير توقعات الفائدة أو ترتفع جاذبية الدولار.
وأضاف أن ما يحدث حاليًا أقرب إلى تصحيح سعري منه إلى انهيار في الاتجاه العام، إذ إن الذهب حقق مكاسب قوية خلال الفترة الماضية، ومن الطبيعي أن تشهد السوق موجات بيع مؤقتة مع سعي المستثمرين إلى تأمين الأرباح، أو إعادة توزيع محافظهم بين الذهب والأسهم والسندات.
وأوضح معطي أن أزمة السيولة العالمية لعبت دورًا مهمًا في الضغط على المعدن النفيس، إذ يفضل المستثمرون في فترات عدم اليقين الاحتفاظ بالنقد أو التوجه إلى أدوات الدخل الثابت، خصوصًا عندما تكون عوائد السندات الأمريكية مرتفعة أو مرشحة للصعود.
وأشار إلى أن خروج سيولة من صناديق الذهب لا يعني بالضرورة ضعف الطلب الحقيقي على المعدن، بل يعكس تحركات قصيرة الأجل من جانب المستثمرين الماليين وصناديق المؤشرات، بينما تسير البنوك المركزية في اتجاه مختلف من خلال مواصلة الشراء عند مستويات سعرية أقل.
البنوك المركزية كلمة السر
يرى خبراء أن استمرار مشتريات البنوك المركزية يمثل أحد أهم العوامل التي تمنع الذهب من فقدان جاذبيته الاستثمارية، خصوصًا في ظل ارتفاع مستويات الدين العالمي، وتراجع الثقة في بعض العملات، وتصاعد الحاجة إلى تنويع الاحتياطيات بعيدًا عن الأصول التقليدية.

وبحسب بيانات حديثة، رفعت الصين احتياطياتها من الذهب للشهر العشرين على التوالي، بعدما زادت حيازاتها بنحو 480 ألف أوقية في يونيو/ حزيران 2026، أي ما يقارب 15 طنًا، في أكبر زيادة شهرية منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وقال معطي إن هذا السلوك يعكس قناعة لدى البنوك المركزية بأن الذهب لا يزال أصلًا استراتيجيًا طويل الأجل، حتى إذا تعرض لضغوط مؤقتة في الأسواق الفورية أو في صناديق الاستثمار المتداولة.
وأضاف أن الدول لا تتعامل مع الذهب بمنطق المضاربة اليومية، بل بوصفه أداة تحوط أمام تقلبات العملات، وارتفاع مستويات التضخم، والمخاطر الجيوسياسية، وهو ما يفسر استمرار عمليات الشراء الرسمية رغم تراجع الأسعار.
خفض التوقعات لا يعني نهاية الصعود
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي المصري، الدكتور وائل النحاس، إن خفض توقعات البنوك العالمية لأسعار الذهب لا ينبغي تفسيره على أنه إعلان بانتهاء الدورة الصاعدة، بل هو إعادة تقييم لمسار الأسعار في الأجل القصير بعد تغير المعطيات الاقتصادية والنقدية.
وأوضح النحاس أن الأسواق العالمية تتحرك حاليًا تحت تأثير 3 عوامل رئيسية: توقعات الفائدة الأمريكية، قوة الدولار، وتحركات المستثمرين بين الملاذات الآمنة وأصول المخاطرة، وهي عوامل قادرة على إحداث تذبذبات حادة في الأسعار خلال فترات قصيرة.
وأضاف أن الذهب يدور حاليًا حول نطاق سعري حساس قرب مستوى 4000 دولار للأوقية، مع قابلية للصعود أو الهبوط وفق البيانات الأمريكية المقبلة، خاصة مؤشرات التضخم وسوق العمل، وقرارات الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة.
وأشار إلى أن الذهب لا يزال يحتفظ بمكانته كأحد أهم أصول التحوط، خصوصًا في ظل استمرار عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي، معتبرًا أن التراجعات الحالية قد تمثل فرصة لإعادة الشراء التدريجي، لا سيما للمستثمر طويل الأجل.
هل يواصل الذهب الهبوط؟
يرى الخبراء أن المسار القريب للذهب سيظل متذبذبًا، وربما يتحرك في نطاق عرضي إلى حين اتضاح اتجاه السياسة النقدية الأمريكية. فإذا استمرت توقعات رفع الفائدة أو إبقائها مرتفعة لفترة أطول، فقد يتعرض الذهب لمزيد من الضغوط، لأن ارتفاع العائد على السندات يقلل جاذبية الأصول التي لا تدر دخلًا.
أما إذا أظهرت البيانات الأمريكية تباطؤًا في التضخم أو ضعفًا أكبر في سوق العمل، فقد تعود رهانات خفض الفائدة إلى الواجهة، وهو ما يمنح الذهب دفعة جديدة، خاصة مع استمرار الطلب الرسمي من البنوك المركزية.
وقال النحاس إن القرار الاستثماري في الذهب يجب ألا يبنى على حركة يوم أو أسبوع، لأن المعدن النفيس يتحرك وفق دورات طويلة تتداخل فيها السياسة النقدية، والطلب الرسمي، والمخاطر الجيوسياسية، وتوقعات التضخم.
وأضاف أن الاستراتيجية الأنسب حاليًا لا تقوم على البيع العشوائي تحت ضغط التراجع، بل على الشراء الانتقائي عند الهبوط، مع الاحتفاظ بجزء من السيولة تحسبًا لمزيد من التقلبات.

