الخليج يطلق العنان للاقتصاد الأزرق.. استثمارات ضخمة تعيد رسم المستقبل
تشهد دول الخليج توجها متزايدا للاستثمار في الاقتصاد الأزرق، بهدف بناء مستقبل اقتصادي قائم على التنوع والاستدامة.
وتتمتع دول الخليج بموقع جغرافي استراتيجي بارز، إذ تمتد على مساحة واسعة من شبه الجزيرة العربية وتطل على عدة مسطحات مائية، من بينها بحر عُمان وبحر العرب والخليج العربي والمحيط الهندي، ما يمنحها مزايا متعددة تعزز اقتصادها الأزرق.
وتركز دول مجلس التعاون على دمج الاستدامة البيئية مع النمو الاقتصادي لتحقيق رؤاها الوطنية (مثل رؤية "نحن الإمارات 2031"، رؤية السعودية 2030، رؤية عمان 2040) عبر الابتكار، ريادة الأعمال الشبابية، والحفاظ على النظم البيئية البحرية.
ويشمل الاقتصاد الأزرق طيفا واسعا من القطاعات، من بينها النقل البحري، والسياحة الساحلية، وصيد الأسماك وتربية الأحياء المائية، والتكنولوجيا الحيوية البحرية، واستخراج الموارد، والطاقة المتجددة البحرية مثل طاقة الرياح والأمواج والمد والجزر. غير أن العديد من هذه القطاعات، رغم أهميتها الاقتصادية، تُسهم في الوقت نفسه في إنتاج انبعاثات ضارة، ما يجعل الانتقال إلى نماذج أكثر استدامة أمرا ملحا.
وبالفعل تستهدف العديد من الاستثمارات في دول الخليج على الموارد البحرية؛ لتنويع اقتصاداتها؛ مع تركيز خاص على مصايد الأسماك المستدامة، ودعم التكنولوجيا الحيوية البحرية والسياحة البيئية وتربية الأحياء المائية.
فرص هائلة
تتنوع الفرص المتاحة لمجلس التعاون الخليجي لتعزيز الاقتصاد الأزرق في الموارد البحرية، مثل:
1- مصايد الأسماك المستدامة
تعمل مصايد الأسماك المستدامة في دول مجلس التعاون الخليجي على حفظ البيئة البحرية وتعزيز استدامتها عبر مكافحة الصيد الجائر للأسماك والكائنات البحرية، وتقييد استخدام بعض معدات الصيد التي قد تُسبب ضررًا للأسماك، ودعم الاستثمارات في الاستزراع المائي المستدام. وصار هناك دعمًا تقنيًا ملموسًا في يشمل الاستزراع البحري المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وتوفير التكنولوجيا المتجددة المستدامة.
ويقول الدكتور "جواد الخراز"، رئيس الشبكة المتوسطية للطاقة النظيفة، لـ"العين الإخبارية" إنّ هناك العديد من أشكال المصادر لتكنولوجيا الطاقة المتجددة البحرية وتشمل "الطاقة الموجية والرياح البحرية والمد والجزر والطاقة الشمسية العائمة والطاقة الحرارية المحيطية"، ويتابع الخراز موضحًا أنّ "تلك التكنولوجيا توفر طاقة نظيفة ومستدامة، لكنها في حاجة لدعم استراتيجي للنمو في الخليج".
2- التكنولوجيا الحيوية البحرية
وهي أحد فروع التقنية الحيوية والتي تستخدم الكائنات الحية من البيئة البحرية مثل البكتيريا أو الطحالب البحرية أو أشكال الكائنات الدقيقة المختلفة، وتوظيف منتجاتها أو مستخلصاتها في تطوير منتجات وحلول مستدامة في مختلف المجالات كالصحة والغذاء والطاقة الحيوية وغير ذلك. وتُعد التكنولوجيا الحيوية البحرية أحد المجالات الواعدة الداعمة للاقتصاد الأزرق.
وعلى الرغم من ذلك، فإنه يحتاج إلى استثمارات مكثفة في الأبحاث الأكاديمية حوله، وتعزيز التعاون بين القطاعات المختلفة، وبالفعل، بدأت بعض الدول الخليجية مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في تبني ذلك النهج ودعم الأبحاث فيه.
3- السياحة البيئية
تساعد السياحة البيئية في دعم الاقتصاد الأزرق، وذلك عبر تشجيع السياحة البحرية المستدامة، وحماية النظم البيئية البحرية القيّمة مثل الشعاب المرجانية والأعشاب البحرية والكائنات البحرية الأخرى المميزة التي تجذب السياح من جميع أنحاء العالم والتي تنتشر في مناطق مختلفة في المسطحات المائية حول دول مجلس التعاون الخليجي.
استثمارات
هناك أمثلة كثيرة لاستثمارات دول مجلس التعاون الخليجي في الاقتصاد الأزرق؛ فعلى سبيل المثال، تستثمر المملكة العربية السعودية في الاستزراع المائي بقوة، وأبرز مشاريعها لذلك هو البرنامج الوطني لتنمية مصايد الأسماك في المملكة العربية السعودية بهدف إنتاج نحو 600 ألف طن من الأسماك بحلول عام 2030.
من جانب آخر، يتم توجيه استثمارات ضخمة للسياحة المستدامة، مثل مشروع البحر الأحمر بقيادة شركة البحر الأحمر الدولية، والذي تستهدف من خلاله السعودية تعزيز التنوع البيولوجي وزراعة المرجان وحماية الشعاب المرجانية وفي نفس الوقت تنشيط السياحة البيئية المستدامة. كما تعمل سلطنة عمان على توسيع البنية التحتية لمحطات السفن السياحية.
إضافة إلى ذلك، تتبنى دولة الإمارات العربية المتحدة مبادرات لاستعادة غابات المانغروف والتي تُعد أحد الحلول المناخية، كما خصصت الإمارات نحو 30% من مياهها الإقليمية كمناطق حماية بحلول العام 2030. وأيضًا، تتجلى استثمارات الإمارات في إطلاق بنك الإمارات دبي الوطني سندات زرقاء-خضراء، والهدف منها تمويل وتشجيع المبادرات التي تدعم المحيطات المستدامة.
حاجة للدعم
وعلى الرغم من الجهود الواضحة لدعم الاقتصاد الأزرق، إلا أنه، وبحسب الدكتور جواد الخراز، ما زلت هناك حاجة ملحة للدعم، وذلك من خلال:
1- الإطارات التنظيمية والسياسية
إن تبني قوانين تشجع على الاستثمارات في الاقتصاد الأزرق مثل الحوافز الضريبية أو عقود طويلة الأجل لشراء الطاقة من شأنها أن تعززه، ويُعطي الدكتور جواد الخراز مثالًا على ذلك، وهو المشروع التجريبي الذي أطلقته سلطنة عمان بالتعاون مع شركات أوروبية أخرى في عام 2025، والذي كان مدعومًا بإطار تنظيمي، ويعتمد على مراقبة الأرض من الفضاء، بهدف تحديد المواقع المناسبة لدعم الاستثمار في الاقتصاد الأزرق فيها.
2- التمويل
يرى الخراز أنّ دول الخليج يمكنها الاستفادة من الشراكات الدولية مع الاتحاد الأوروبي والذي يهدف إلى توليد نحو 317 غيغاواط من الرياح البحرية بحلول العام 2050، وأشار إلى ضرورة "تخصيص ميزانيات من الصناديق السيادية؛ لتمويل المشاريع"، وأضاف أنّ استخدام تقنيات المراقبة الفضائية، يساعد في تقليل التكاليف بنسبة قد تصل إلى 20%؛ إذ تحسّن التنبؤ بظروف الطقس والتيارات المائية.
3- الحفاظ على البيئة البحرية
من الضروري توجيه الجهود لدعم البيئة البحرية؛ وذلك من خلال توفير التكنولوجيا اللازمة، وبحسب الخراز؛ فتلك التكنولوجيا "تقلل من الانبعاثات الكربونية، ما يساعد في حماية النظم البيئية من تغير المناخ". ويُعطي مثالًا للرياح البحرية والتي توفر طاقة نظيفة لمحطات تحلية المياه التي تستهلك نحو 15% من الطاقة في منطقة الخليج، وهذا بدوره يقلل التلوث ويحسن جودة المياه.
يختتم الخراز حديثه مع "العين الإخبارية"، قائلًا إنّ "دعم تكنولوجيا الطاقة البحرية المتجددة، يتطلب رؤية متكاملة"، ويتابع شارحًا أنّ تلك الرؤية يجب أن تجمع بين 3 محاور رئيسية، وهي: السياسة والتكنولوجيا والتمويل، ويُنهي قائلًا إنّ "هذا الاستثمار ليس مجرد خيار اقتصادي، بل إنه ضرورة ملحة للحفاظ على موارد الخليج البحرية؛ خاصة في ظل تحديات التغيرات المناخية المتزايدة".