ثقافة

حسن كمال لـ"العين الإخبارية": "نسيت كلمة السر" رواية عن فن المبالاة

الخميس 2018.9.13 06:39 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 746قراءة
  • 0 تعليق
الكاتب المصري حسن كمال

الكاتب المصري حسن كمال

" لو أن هناك زرّا لإيقاف الحياة أو تبطيئها عند مرحلة واحدة من العمر لاخترت تلك بلا مناقشة، كنت أملك كل شيء، لكن هل كنت سأضغط عليه في وقتها قبل أن أعرف الآتي؟ لا أظن..كنت سأطمع في الأجمل، هذا ما فعلته وأفعله دائما، قطار العمر لا يُحكم عليه من عربة واحدة، عليك أن تدخل عرباته واحدة تلو الأخرى، إلى أن تصل آخرها؛ فتعرف كل شيء". 

في عمله الروائي الأحدث "نسيت كلمة السر"، يُشيّد الكاتب المصري حسن كمال عالما من الانتصارات والهزائم الإنسانية، عبر سيرة بطله "عمر الخياط"، البطل الذي وصل لذروة المجد الرياضي، حتى اتخذت حياته مسارا لم يكن أبدا في الحسبان.

"نسيت كلمة السر" هو العمل الروائي الثالث للكاتب المصري حسن كمال بعد "المرحوم" و"الأسياد"، وبعد عدد من المجموعات القصصية التي لفتت الأنظار، والرواية تستلهم سيرة بطل مصر الأسطوري في التايكوندو عمرو خيري، لكنه استلهام يرتكز فقط على البطولات التي حققها البطل، وكذلك رحلة معاناته مع المرض الذي تسبب في جلوسه على كرسي متحرك وهو في أوج صعوده وبطولته. 

في حواره مع "العين الإخبارية"، يتحدث حسن كمال عن الدراما التي جذبته لبناء عالم "نسيت كلمة السر" الذي اعتبر أنه عالم يخص كل إنسان باختلاف مشروعه وحلمه، من خلال توازي يجعل من عالم الرياضة، بكل بريقه وصخبه وسياساته وتحالفاته، عالما مُصغرا للعالم الأكبر الذي نعيشه. نتعرف أكثر على الروائي حسن كمال خلال الحوار التالي..

-"نسيت كلمة السر" عنوان يتكئ على مفردات عالم التواصل الاجتماعي الافتراضي.. كيف جاءتك فكرة العنوان؟

في جميع النصوص التي كتبتها من قبل، يأتي العنوان في مرحلة متأخرة، سواء يُفرض من سياق الأحداث، من جملة أو حدث، تفصيلة ليس مخططا لها، وأنا متواصل مع شخصياتي بشكل كبير، فتأثرت باللحظة التي فقد فيها البطل القدرة على الدخول إلى حسابه الشخصي، وكأنها حياته القديمة، كان ينظر لحياته القديمة، ويقول إنها أصبحت كأنها تخص شخصا آخر، وأنه فقد كلمة المرور لهذه الحياة، ومن هنا جاء عنوان "نسيت كلمة السر"، كانت هناك عناوين أخرى مقترحة للنص، وفي النهاية استقريت على هذا العنوان.


-قال الناقد محمود عبد الشكور إنه من الظلم تصنيف هذا النص باعتباره سيرة بطل رياضي كبير وحسب، هل تتفق معه؟

ما قاله الأستاذ محمود عبد الشكور هو منتهى الإنصاف للنص، فهذه الرواية لا تتحدث عن سيرة ذاتية لبطل رياضي فقط، هي مستلهمة من سيرة بطل عظيم، لكن سياق ما مر به البطل وتغيراته الحياتية تكاد تشبه تغيرات الوطن نفسه، وتلتقي وأزمة الإنسان في تحرير ذاته، والعقبات التي تقف أمامه بكل قسوة بعد أن نجح في أن يصنع كل شيء، فيجد نفسه أمام مربع آخر.

-في الرواية مساحة درامية تجمع بين الأدب والرياضة.. كيف ترى هذه المعالجة؟

من وظائف الأدب وأدواره المهمة نقل ما يحدث في الحياة من خلال الحكي، الرياضة عالم أسطوري، وأنا قرأت أساطير كثيرة، وأرى أن ما يحدث في الرياضة يكاد يفوق كثيرا من القصص الخيالية، فمثلا لو قلت لك قبل سنوات أن هناك طفلا صغيرا كان يلعب كرة في الشارع، في قرية صغيرة اسمها بسيون، وكان والده يسافر به وينتظره 8 ساعات ليلعب في نادٍ صغير، ثم فجأة أصبح هذا الطفل بعد سنوات من أعظم لاعبي كرة القدم في العالم، وبات اسمه رمزا يتغنى به الإنجليز، لو قلت ذلك من 5 سنوات لقالت الناس إنها مبالغة، أؤكد دون أن أعرف أن هذه القصة مليئة بالانتصارات والانكسارات والدموع، قد يكون مشهدا دراميا أن نحكي أن أحد الأندية المحلية قالت لهذا اللاعب يوما إنه لا يصلح للعب، ثم أصبح اليوم مجالا للصراع بين أكبر أندية العالم، هذه هي الرياضة.ومن حسن حظى أنني أتعامل مع رياضيي الفئة الأولى الأوليمبين والعالميين عن قرب، كل واحد منهم له قصة ووراءه حكايات كثيرة يمكن أن تطرح، لكن للأسف نحن لدينا انفصال كبير جدا بين الوسط الأدبي والرياضي، رغم أن ذلك ليس موجودا في فنون العالم، فهناك أفلام كثيرة قدمت عن قصص أبطال العالم مثل قصة البطل الأسطوري محمد علي كلاي، التي ذكرتها في الرواية، ووراء كل لاعب هناك عالم من السياسة والصراعات والمؤامرات الكبيرة كما جاء في النص، الرياضة عالم براق جدا جدا للرواية والأدب بشكل عام. عالم الرياضة يشبه العالم الحقيقي بالضبط، هناك المؤامرات والخديعة، فحاولت تحقيق هذا التوازي بين عالمنا وعالم الرياضة.

-هل نُصحت بجعل بطلك ينتمي للعبة أكثر شعبية من التايكوندو التي اخترتها في الرواية؟

هناك آراء تخوفت من تناول الرياضة روائيا من الأساس، لم أختر رياضة معينة، الشخص الذي كان ملهما لي في هذا النص هو بطل تايكوندو مصري، كان بطل أسطوريا، لم أكن مشغولا بلعبة البطل، ما شغلني الدراما التي وراءه، أنا أكتب عما أعرف بشكل عام، فعندما كنت أكتب رواية "المرحوم"، ذهبت وجلست في المقابر، ربما لم أستخدم كثيرا مما شاهدت هناك في النص، لكن احتجت أن أعرف حتى أكتب، أما رياضة التايكوندو، فأنا على دراية تامة بكل تفاصيل هذه الرياضة، حتى أنني كتبت في النص بالتفصيل عن علاقة البطل بزي اللعبة، وملمس الأوقية، لو لم أكن ارتديت هذا الزي يوما ما لم أكن لأكتب عنه بهذه الدقة.

- هل كنت بطلا في التايكوندو؟

نعم كنت في فريق المنتخب الوطني، وبطل مصر 14 مرة، وكنت كابتن أول فريق قومي للناشئين، لعبت على مستوى دولي؛ لذا أعرف شعور الفوز والانتصار والانكسار، الرياضي إنسان عظيم يواجه ضغوطا لا حصر لها في كل مراحل لعبه، تصلح لتمثيل حياة كل إنسان، كل واحد منا يعيش تحديات كبيرة في حياته الخاصة، يعيش انكساراته وانتصاراته ومحاولاته، هذا الأمر دائما يشغلني، وكنت أنتظر اللحظة التي أجد فيها نصا يليق بما أريد أن أقول.

-هل ترفض تصنيف "نسيت كلمة السر" بأنها سيرة ذاتية للبطل المصري العالمي عمرو خيري؟

في بداية النص قلت إن عالم الرواية تم استلهامه من تاريخ بطل حقيقي، أما الأحداث والشخصيات المحيطة فمن وحي الخيال، الأحداث الحقيقية التي اعتمدت فيها على الرواية هي البطولات والمرض المفاجئ الذي أصاب البطل فقط، دون ذلك؛ فأحداث الرواية كلها خيالية، فقضيتي هي أزمة الإنسان مهما وصل من بطولات.


-كتب الدكتور محمد المخزنجي أخيرا رأيا خاصا عن الرواية، كيف استقبلته؟

أعتبر أن ما قاله الدكتور محمد المخزنجي هو أكبر الجوائز التي حصلت عليها بعد صدور هذا النص قبل سنة ونصف، كانت هذه هي المرة الأولى التي أتلقى فيها منه اتصالا، قال لي إنه قرأ الرواية وقال إنه مفتون بهذا النص، وفوجئت بأنه كان رياضيا، كان يلعب الجمباز، وقال لي إنه فكر في الكتابة في الرياضة، فهو يعرف هذا العالم وصعوبة تمثيله، ومشكورا أرسل لي شهادته مكتوبة، وقال فيها ما أردت تماما أن أوصله من روايتي، وهي أن أزمة البطل هي أزمة الانسان وأزمة الوطن والبشرية، جاءني رأيه في لحظة كنت بدأت أن أفقد فيها الثقة في أن هذا النص يمكن أن يُقرأ الآن، أصابتني الحيرة هل لم أضع ما يكفي لأقول ما أردت أن أقوله، رأي المخزنجي كان مفاجأة عظيمة، هذه من سمات الكبار.

-اقترابك الشديد من عالم الأوليمبياد كطبيب للمنتخب الوطني.. إلى أي مدى ساهم في مشروعك في الكتابة الأدبية؟

أنا محظوظ بهذه الوظيفة والعمل، فوظيفتي كطبيب تجلعني في موضع رؤية كل شيء في الملعب، الطبيب يرى لحظة الإصابة، ويسمع ما لا يمكن أن يسمعه أحد غيره، تفاصيل في مشهد درامي متكرر، الطب يجعلك ترى ما لا يراه الآخرون، ترى اللاعب في لحظة الضعف دون نجومية، تراه يفكر وهو في قمة ألمه هل ستعيقه الإصابة عن اللحاق بالدورة الأولمبية المقبلة أم لا؟ هل سينهار حلمه؟ وتكون أنت كطبيب المسئول عن نقل هذا الخبر له، سبق وكتبت مقالا بعنوان "لماذا أحب هداية ملاك؟"، فهي من القلائل في الوسط الرياضي الذين لديهم وجه واحد فقط، وجه ملائكي واحد في لحظات الانتصار والإصابة وحتى الاستبعاد، لذلك؛ فأنا أرى ما وراء دموع الفرح، فدموع الفوز ليست دائما فرح، قد تكون دموع نقمة على من أحبطك في مشوارك الرياضى وقال لك إنك لن تستطيع الفوز أبدا، يتساءل بدموعه تلك هل يراك الآن؟أو دموع فقد لشخص طالما حلم أن يكون معه في لحظة الانتصار تلك، ومثال ذلك رأيته بنفسي في أحد البطولات لبطل أولمبي مات والده، وهو من عاش العمر كله يتمنى هذا اليوم، فحمل هذا البطل صورة والده وبكى بعد فوزه، والرواية بها كثير من هذه التفاصيل.

- هل ستكرر  تجربة الكتابة عن الرياضة أم لا؟

قمت في هذا النص بسرد سيرة البطل منذ الطفولة، سردت أشياء جعلتها وراء النص ولم أقلها بصراحة، مثل أن الأبطال عندنا تُصنع بالصدفة، كما في كثير من المهن، النص يذهب إلى أن ما الحياة إلا رياضة كبيرة، مساحتها بمساحة الملعب الكبير، هناك اللاعب تمثيل كبير للعالم، هناك الداعمين ناس بتكسب، ناس بتلعب سياسة على حساب اللاعبين على الأرض، استغلال نجوم الرياضة لصالح اتحادات، هذه الرواية تكرس لفن "المبالاة"، الرياضى يحتاج لهذا الفن وليس فن "اللامبالاة"، ومعناه أن يكون حريصا على بطولته،"نسيت كلمة السر" هي عن فن المبالاة، فاللاعب الذي لا يبالي هو في الحقيقة قنبلة موقوتة، لنتخيل مثلا حارس مرمي غير مبالٍ سيكون مصير فريقه الهزيمة، والرياضة وصناعة البطولات والحياة بشكل عام لا تحتمل ذلك.

تعليقات