سياسي سوداني يكشف لـ«العين الإخبارية» كيف يحرك الإخوان خيوط الحرب
لم تعد حرب السودان مجرّد صراع على السلطة، بل تحوّلت إلى ساحة مفتوحة يستعرض فيها تنظيم الإخوان قدرته على الإمساك بمفاصل الدولة.
فخلف الدخان المتصاعد من مدن السودان، تقف شبكات «الإخوان» – بقياداتها الأمنية والمالية – بوصفها المحرّك الأكثر تأثيرًا في مسار الحرب، تموّل، وتوجّه، وتضغط، وتُفشل كل مبادرة سلام توقف الحرب وتبعدهم عن قلب السلطة.
- «إساءات بورتسودان لا تمثل السودانيين».. الجالية في الإمارات تضبط نشاز السلطة
- تأييد أوروبا لخارطة الرباعية يسقط أقنعة دعاة الحرب في السودان
وفي هذا الإطار، كشف عروة الصادق، القيادي في حزب الأمة القومي وعضو التحالف المدني الديمقراطي «صمود»، في حوار مع «العين الإخبارية» تفاصيل غير معلنة حول حجم الهيمنة الإخوانية داخل المؤسسة العسكرية، وكيف تُدار الحرب من وراء ستار، ولماذا يتعمد عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السير عكس الاتجاه الدولي والإقليمي الذي يدفع بقوة نحو وقف إطلاق النار واستعادة الدولة المختطفة؟
هيمنة خفية على القرار العسكري
وأكد عروة الصادق أن التصريحات الأخيرة لقائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان – الرافضة لأي مسار تفاوضي – ليست موقفاً انفعالياً أو قراءة سياسية خاطئة، بل انعكاس لمعادلة قوة مختلة داخل منظومة الحكم.
وكشف لـ«العين الإخبارية» أن البرهان لم يعد صاحب القرار الوحيد في ملفي الحرب والسلام، وأنه يتحرك داخل سقف يحدده نفوذ دوائر إخوانية وأمنية تمتلك اليد العليا في توجيه الخيارات العسكرية والمالية.
وأضاف: «هذه الدوائر ترى أن استمرار الحرب هو الضامن الأكبر لبقاء نفوذها، وأن أي عملية سلام حقيقية تمثل تهديداً مباشراً لمصالحها السياسية والاقتصادية». ويشير إلى أن جماعة الإخوان استطاعت إعادة إنتاج وجودها داخل مفاصل الجيش عبر شبكات داخل الأجهزة الأمنية ودوائر التمويل المرتبطة باقتصاد الحرب.
وتأتي تصريحات عروة عقب خطاب البرهان الذي هاجم فيه مبادرات السلام التي تقودها دول «الرباعية» (الولايات المتحدة، ودولة الإمارات، والسعودية، ومصر)، معلناً رفض الجيش للمقترحات التي قدمها كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون في الشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس.
ارتهان لا استقلال.. و«اقتصاد حرب» يوجّه البوصلة
ويرى عروة الصادق أن تخبط قيادة الجيش في التعاطي مع مبادرات السلام ليس عرضاً طارئاً، بل هو نتيجة منطقية لحالة «الارتهان الكامل» لأجندة التنظيم الإخواني.
ويقول في حديثه لـ«العين الإخبارية»: «رفض البرهان للسلام ليس تعبيراً عن استقلال قرار، بل هو انعكاس لضغط داخلي من الشبكة الحاكمة فعلياً داخل المؤسسة العسكرية، والمكوّنة من ضباط موالين للإخوان وجهاز أمني ممسك بمفاصل التمويل والتوجيه».
ويكشف الصادق أن هذه الشبكة مرتبطة بما يسميه «اقتصاد الحرب»، الذي يشمل:
- تهريب الذهب عبر شبكات معقدة
- جبايات غير قانونية
- قنوات إمداد تستفيد من الفوضى والتشظي
- مصالح تجارية تُتاح فقط في ظل غياب الدولة
ويقول: «السلام لا يعني فقط وقف إطلاق النار، بل يعني فتح ملفات إعادة هيكلة القوات النظامية، وضبط الموارد، ومحاسبة المتورطين في الفساد. وهذه الملفات تهدد مراكز نفوذ تستمد قوتها من استمرار الأزمة».
خطاب التشدد لتعويض التراجع الميداني
ويفسر عروة الصادق التصعيد اللفظي المتكرر للبرهان وقيادات الجيش بأنه محاولة لتعويض التراجع الميداني الواضح خلال الشهور الماضية.
فالجيش خسر مدينة الفاشر الاستراتيجية، بينما يتعرض لضغط عسكري كبير في مناطق شمال وغرب كردفان، حيث تواجه وحداته حصارات خانقة في «الأبيض»، «أم سيالة»، و«بابنوسة»، و«كازقيل».
وتابع الصادق: «بعد كل خسارة ميدانية كبيرة، يلجأ قادة الجيش إلى خطاب متشدد يهدف إلى إرسال رسالة طمأنة للحاضنة الإخوانية داخل المؤسسة العسكرية. هذا الخطاب يهدف لإظهار أن القيادة صامدة ولن تقدم تنازلات، رغم أن الواقع يشير إلى تضييق هامش المناورة».
ويرى أن هذا النهج يعكس محاولة للهروب من استحقاقات الواقع عبر رفع سقف الخطاب السياسي، في حين أن موازين القوى العسكرية على الأرض تتآكل يوماً بعد آخر.
هواجس شخصية تُعيد إنتاج الأزمة
ويذهب الصادق إلى أن خلف خطاب البرهان الرافض للتفاوض، توجد هواجس شخصية وسياسية تتعلق بمستقبله في السلطة.
وأضاف: «يدرك البرهان أن الدخول في مفاوضات سلام حقيقية يعني بالضرورة فتح نقاش حول مستقبل قيادة الدولة وإعادة ترتيب هرم السلطة. وهذا قد يؤدي إلى صيغة انتقالية مدنية أوسع، أو قيادة جديدة بالكامل. لذلك يفضّل الإبقاء على حالة اللا حرب واللا سلام».
ولفت إلى أن الترحيب الشكلي بأي جهود خارجية دون الالتزام الفعلي بها هو جزء من استراتيجية تعتمد على كسب الوقت، لكنها في المقابل تعمّق عزلة السلطة وتضعف شرعيتها داخلياً وخارجياً.
أزمة بنيوية تعصف بمؤسسة القرار
ويشير الصادق إلى أن مؤسسة الجيش السوداني تعاني «خللاً بنيوياً» في اتخاذ القرار، نتيجة لتغلغل الإخوان داخل مفاصلها. ويقول إن قيادات الإخوان داخل الجيش والأمن تعاني قصوراً كبيراً في فهم التحولات الإقليمية والدولية، خاصة بعد أن أصبح العالم يتجه نحو:
- إنهاء الحرب في السودان
- تجفيف منابع اقتصاد العنف
- التضييق على التنظيمات المتطرفة
- دفع الأطراف السودانية نحو تسوية سياسية شاملة
ويبيّن أن القيادة التي تراهن على إطالة أمد الحرب «تفقد ما تبقى لها من غطاء سياسي»، سواء على مستوى الشراكات الإقليمية أو التفاهمات الدولية، وهو ما يجعل خطاب الرفض المستمر مؤشراً على أزمة حقيقية لا على قوة متماسكة.
هشاشة لا قوة
ويختتم عروة الصادق حديثه لـ«العين الإخبارية» بتأكيد أن البرهان لا يرفض التفاوض من موقع قوة، وإنما من موقع هشاشة وضغط متصاعد.
ويقول: «البرهان محاصر بين ضغط حلفائه داخل منظومة الإسلاميين واقتصاد الحرب، وبين ضغط إقليمي ودولي لا يمكن تجاهله. ومع غياب أي مشروع سياسي أو رؤية واضحة لدى السلطة في بورتسودان، يصبح التشدد السياسي مجرد هروب إلى الأمام».
ويضيف أن استمرار الحرب رغم الكارثة الإنسانية الكبرى التي يعانيها الشعب السوداني يكشف أن القيادة العسكرية «تؤجل الاعتراف بالواقع»، وأن السلام قادم بحكم توازنات أوسع من إرادة شخص أو مجموعة، مهما رفعت من سقف خطابها.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTUzIA==
جزيرة ام اند امز